لماذا تصر طهران على تحويل الصبر العربي إلى غضب عربي؟ – الأسبوع

لماذا تصر طهران على تحويل الصبر العربي إلى غضب عربي؟ – الأسبوع

في الشرق الأوسط، لا تكفي قراءة الصواريخ لمعرفة اتجاه الحرب. أحياناً يكون الأهم هو فهم لماذا أُطلقت الصواريخ وعلى من، رغم أن الطرف المستهدف لم يكن يريد الحرب أصلا.

وهذا تحديداً ما يجعل التصعيد الإيراني الأخير تجاه الأردن والإمارات أكثر خطورة من مجرد جولة جديدة في المواجهة بين طهران وواشنطن.

فبعد الضربة الأمريكية التي استهدفت منصات إطلاق إيرانية في جزيرة لارك بمضيق هرمز، أعلنت إيران أنها ردت باستهداف مواقع وقواعد تضم قوات أمريكية في الأردن، كما أعلنت استهداف مواقع أمريكية في الإمارات. وفي المقابل، أعلنت الأردن والإمارات اعتراض هجمات إيرانية، بينما نفت الإمارات أن تكون قاعدة المنهاد قد تعرضت لضربة صاروخية، وأكدت اعتراض طائرة مسيرة قادمة من إيران فوق مياهها الإقليمية. هنا يبرز السؤال الذي يبدو بسيطاً، لكنه في الحقيقة يمس جوهر الاستراتيجية الإيرانية: إذاً لماذا تصر طهران على التصعيد مع دول عربية لم تعلن الحرب عليها، بل إن بعضها حاول مراراً النأي بنفسه عن المواجهة؟

الإجابة ليست أن إيران تريد بالضرورة حرباً مباشرة مع الأردن أو الإمارات. فالمسألة أكثر تعقيداً، خاصة من وجهة النظر الإيرانية، فالقواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في المنطقة ليست منشآت أردنية أو إماراتية خالصة، وإنما هي امتداد للوجود العسكري الأمريكي الذي تعتمد عليه واشنطن في إدارة الحرب والردع وحماية مصالحها، ولهذا تقول طهران إنها لا تستهدف الدول المضيفة بحد ذاتها، وإنما تستهدف القوات الأمريكية الموجودة على أراضيها. لكن هذه الحجة، مهما كانت منطقية في الحساب العسكري الإيراني، تصطدم بمشكلة سياسية وقانونية وأخلاقية كبرى، وهى أن الأرض أرض أردنية أو إماراتية، والسيادة سيادة تلك الدولة، وأي هجوم عليها يضع حكوماتها أمام معادلة لم تكن تريدها. وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الاستراتيجية الإيرانية، أن محاولة ضرب الولايات المتحدة بصورة غير مباشرة قد تتحول تدريجياً إلى إجبار الدول العربية على الدخول في الحرب.

فى المقابل، جميع الحسابات الإيرانية الأساسية تقوم على حقيقة يعرفها الجميع، ان معظم الدول العربية لا تريد حرباً مفتوحة مع إيران، لأن دول الخليج لديها مصالح اقتصادية ضخمة مرتبطة بالاستقرار، والأردن لديه حساباته الأمنية والسياسية المعقدة، والجميع يعرف أن أي حرب إقليمية واسعة لن يكون فيها رابح حقيقي. لذلك قد تراهن طهران على أن الرد العربي سيبقى في حدود الاعتراضات الدبلوماسية، واعتراض الصواريخ والمسيرات، والتوجه إلى المجتمع الدولي. وهذه، من الناحية الإيرانية، معادلة مغرية.

محتواها يتضمن أضرب القوات الأمريكية، لكن لا أواجه جبهة عربية موحدة. غير أن هذه المعادلة تحمل خطأ استراتيجياً كبيراً. فالدول التي تضبط النفس لأنها لا تريد الحرب قد تضبط النفس مرة أو مرتين، لكنها لا تستطيع أن تقبل إلى هذا الوضع إلى ما لا نهاية، بأن تتحول أراضيها إلى ساحة لتبادل الضربات بين إيران وأمريكا.

والإشارات الصادرة من المنطقة بدأت بالفعل تصبح أكثر صرامة. فالإمارات أدانت الهجوم الإيراني، ووصفت التصعيد بأنه خطير، وأكدت مسؤولية إيران عن الاعتداءات واحتفاظها بحقها في الرد، كما أعلنت تضامنها مع الأردن بعد استهدافه. وهنا ينبغي لطهران أن تتوقف طويلاً أمام هذه الرسالة. فالصبر العربي ليس بالضرورة ضعفاً، والحياد ليس بالضرورة عجزاً. فإيران تحتاج إلى الرد أكثر مما تحتاج إلى الحرب.

لأن القيادة الإيرانية لا تستطيع بعد تعرضها لضربات أمريكية أن تظهر أمام شعبها وأمام خصومها وحلفائها بأنها غير قادرة على الرد.

في منطق الردع، عدم الرد قد يفسر على أنه ضعف.

لذلك تحتاج طهران إلى إطلاق النار، لكنها في الوقت نفسه لا تريد بالضرورة الذهاب إلى حرب شاملة بلا سقف مع الولايات المتحدة. ومن هنا تأتي المعادلة الصعبة، فيجب أن يكون الرد الإيراني قوياً بما يكفي لإثبات أن إيران ما زالت قادرة على الردع، ولكنه محدود بما يكفي حتى لا يتحول إلى حرب أمريكية إيرانية. وهذا يفسر إلى حد كبير لماذا تبدو بعض الضربات الإيرانية موجهة إلى مواقع أمريكية في دول أخرى، بدلاً من أن تكون مواجهة مباشرة مع أهم الأصول الأمريكية في المنطقة. لكن المشكلة أن هذا النوع من الحرب لا يبقى محدوداً إلى الأبد.فكلما اتسعت دائرة الأهداف، زادت احتمالات سقوط قتلى مدنيين أو إصابة منشآت حيوية أو حدوث خطأ في التقدير. وعندها يمكن أن تنتقل الحرب من حرب محسوبة إلى حرب تفرض نفسها على الجميع. ولو تحدثنا عن إستهداف الأردن تحديداً، يحمل حالة آستثنائية، لأن الأردن ليس دولة خليجية، فهى بعيدة عن ساحات الصراع، لكنها تقع في قلب الجغرافيا الأكثر اضطرابًا في الشرق الأوسط. حدودها تجاور سوريا والعراق وفلسطين المحتلة، وهو مرتبط أمنياً وعسكرياً بالولايات المتحدة، لكنه في الوقت نفسه يحاول باستمرار منع أراضيه من أن تصبح منصة لحرب إقليمية.

ولهذا فإن ضرب الأردن يضع عمّان أمام معادلة بالغة الصعوبة. فإذا رد الأردن بقوة، قد يتحول إلى طرف مباشر في الحرب، وإذا لم يرد، فقد تصبح أراضيه عرضة لمزيد من الهجمات وهذا بالضبط ما يجعل استهدافه خطوة محفوفة بالمخاطر.

أما الإمارات، فهي حالة مختلفة، لأن الإمارات دولة تجارية واقتصادية كبرى، واستقرارها جزء أساسي من نموذجها السياسي والاقتصادي. ولهذا فإن أي تهديد مستمر لأجوائها أو مياهها الإقليمية أو منشآتها الحيوية، لن يُنظر إليه في أبوظبي باعتباره مجرد تفصيل في الحرب الإيرانية الأمريكية. فحتى إذا قالت إيران إنها تستهدف الأمريكيين فقط، فإن دخول مسيرة أو صاروخ إلى المجال السيادي الإماراتي يخلق مشكلة مختلفة تماماً. فهنا لم تعد المسألة أمريكية فقط، بل أصبحت مسألة سيادة وطنية، وهذه نقطة لا تستطيع أي دولة تجاهلها إلى الأبد.

هل تريد إيران بذلك جر العرب إلى الحرب؟ ربما لا، بل إن العكس قد يكون أقرب إلى الحقيقة. إيران قد تكون راغبة في أن تبقى الدول العربية خارج الحرب، ولكنها تريد في الوقت نفسه أن تدفع هذه الدول ثمن استضافة القوات الأمريكية. وهذه هي المفارقة.

طهران تريد من الدول العربية أن تقول نحن لسنا جزءًا من الحرب، لكنها تريد منها في الوقت نفسه أن تسمح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها، ثم تعتبر القواعد الأمريكية أهدافاً مشروعة للرد.

وهذا تناقض واضح لا يمكن أن يستمر بلا نهاية.

لأن الدولة المضيفة ستجد نفسها في النهاية أمام خيارين، كلاهما صعب. إما أن تطلب تقليص الوجود العسكري الأمريكي، وهو أمر قد لا يكون مقبولاً سياسياً وأمنياً، وإما أن تحمي القوات الأمريكية الموجودة على أراضيها، وهو ما يعني عملياً الدخول أكثر في المواجهة مع إيران.

وهنا تحديدًا قد تقع طهران في الفخ الذي تحاول تجنبه. فعلى مدى سنوات استفادت إيران من الانقسامات والتناقضات داخل المنطقة.

لكن استمرار ضرب الدول العربية قد ينتج نتيجة عكسية، فالدولة التي كانت ترى إيران خصماً إقليمياً يمكن احتواءه، قد تبدأ في النظر إليها باعتبارها تهديداً مباشراً للأمن الوطني.

والدولة التي كانت تفضل التهدئة قد تبدأ في تعزيز دفاعاتها، والدولة التي كانت تريد الحفاظ على علاقات متوازنة مع طهران قد تجد نفسها مضطرة إلى تنسيق أمني أكبر مع خصوم إيران.

وبذلك تتحول الضربات الإيرانية من وسيلة لعزل الولايات المتحدة إلى وسيلة محتملة لعزل إيران إقليمياً. وهذه ستكون نتيجة استراتيجية خطيرة جداً على طهران. لكن لماذا تستمر إذن في العدوان على تلك الدول؟ لأن إيران، ببساطة، قد ترى أن التراجع الآن أخطر من التصعيد.

فإذا توقفت عن الرد، فقد تستنتج واشنطن أن الضغط العسكري نجح. وإذا قبلت بأن تكون أراضيها ومواقعها العسكرية عرضة للضرب دون رد، فقد تتآكل قدرتها على الردع. أما إذا صعّدت، فهي تخاطر بتوسيع الحرب. إذاً إيران إذن ليست أمام خيار جيد وخيار سيئ. إنها أمام عدة خيارات سيئة، وتحاول اختيار الأقل سوءاً. وهذا هو جوهر الأزمة.

أما الدول العربية، فالموقف العربي حتى الآن يحمل رسالة واضحة: لا نريد حرباً مع إيران، لكننا لن نقبل أن تصبح أراضينا هدفاً مفتوحاً، وهذا هو الفرق الجوهري، لأن عدم الرغبة في الحرب لا يعني قبول الاعتداء، والسعي إلى التهدئة لا يعني التخلي عن حق الدفاع عن السيادة.

ومن هنا فإن الكرة أصبحت في ملعب طهران وواشنطن معاً. فإذا أرادت إيران منع قيام جبهة إقليمية ضدها، فعليها أن تدرك أن أراضي الدول العربية ليست امتداداً لساحة الصراع الأمريكي الإيراني.

وإذا أرادت واشنطن الحفاظ على علاقاتها مع حلفائها العرب، فعليها أيضاً أن تدرك أن استخدام قواعدهم في الحرب دون أن تستطيع حمايتهم من تداعياتها يضع هؤلاء الحلفاء أمام خيارات صعبة للغاية، لأن اللحظة الأخطر لم تأتى بعد.

فالمشهد الحالي لا يعني بالضرورة أن حرباً إقليمية شاملة أصبحت حتمية، لكن الخطر الحقيقي يكمن في شيء آخر، وهو الاعتياد على التصعيد، صاروخ اليوم يُعترض، ومسيرة غداً تُسقط، قاعدة تُستهدف، دولة تدين، دولة أخرى تتضامن، ثم تأتي ضربة جديدة. ومع تكرار هذه الدورة يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس أمراً عادياً اليوم.

وهنا تحدث الأخطاء، قد يسقط صاروخ في منشأة مدنية، قد يُقتل جنود عرب، قد تُصاب منشأة نفطية، قد تتعرض سفينة مدنية للخطر.

وقد تجد حكومة عربية نفسها مضطرة إلى الرد، ليس لأنها تريد الحرب، وإنما لأن عدم الرد أصبح أخطر من الرد، وعندها تتغير قواعد اللعبة كلها.

فإيران لا تصعّد بالضرورة لأنها تريد حرباً مع الإمارات أو الأردن. إنها تصعّد لأنها تريد أن تثبت للولايات المتحدة أن ضرب إيران لن يكون بلا ثمن، وتحاول استهداف المصالح والقوات الأمريكية حيث تستطيع الوصول إليها. لكن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضاً قاتلاً.

فكلما حاولت إيران ضرب أمريكا عبر المنطقة، زادت احتمالات أن تدخل المنطقة نفسها في مواجهة معها. وقد يكون هذا هو أكبر سوء تقدير يمكن أن تقع فيه طهران.

فالدول العربية التي اختارت حتى الآن التهدئة لا تفعل ذلك لأنها عاجزة عن الرد، وإنما لأنها تدرك حجم الكارثة التي يمكن أن تجرها الحرب على المنطقة، لكن للصبر حدود، وإذا واصلت إيران استهداف الأردن والإمارات ودول أخرى تحت عنوان استهداف القوات الأمريكية، فقد تجد نفسها أمام نتيجة لم تكن تريدها، فتحول الموقف العربي من الحياد والتهدئة إلى موقف أمني أكثر صلابة ضدها وفى هذه اللحظة لن تكون المعركة فقط بين إيران وأمريكا، بل قد يصبح السؤال: هل نجحت إيران في إيصال الحرب إلى الأمريكيين، أم أنها نجحت في دفع العرب إلى الاصطفاف ضدها؟ وهذا في تقديري هو السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة.

فالصواريخ التي تحلق فوق الخليج أو الأردن ليست سوى الوجه الظاهر للأزمة. إيران تريد أن تثبت أنها لا تزال قادرة على إيذاء خصومها.

وأمريكا تريد أن تثبت أن بإمكانها الوصول إلى إيران دون أن تتراجع، والدول العربية تريد أن تثبت أن أراضيها ليست ساحات مفتوحة للحرب، وكل طرف يختبر حدود الطرف الآخر. لكن المشكلة أن الحدود لا تُختبر إلى ما لا نهاية.

في لحظة ما قد يخطئ أحدهم، وعندها قد لا تعود الأسئلة من نوع لماذا صعّدت إيران أو لماذا لم ترد الدول العربية، بل سيصبح السؤال الأكثر رعباً: كيف بدأنا حربًا لم يكن أحد يريدها؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. ربما لا تريد إيران حرباً مع العرب، وربما لا تريد الدول العربية حرباً مع إيران، وربما لا تريد واشنطن حرباً إقليمية مفتوحة.

لكن إذا استمر كل طرف في اختبار حدود الآخر، فقد تنتهي المنطقة إلى حرب لا يريدها أحد، لكنها تصبح نتيجة طبيعية لأفعال الجميع.

ولهذا فإن أخطر ما تفعله طهران الآن ليس مجرد إطلاق الصواريخ، الأخطر هو أنها تخاطر بتحويل الصبر العربي إلى غضب عربي، والحياد العربي إلى اصطفاف عربي، والخلاف مع إيران من خلاف سياسي قابل للاحتواء إلى مسألة أمن قومي لا يمكن تجاهلها. وهنا قد تكتشف طهران متأخرة أن أصعب جبهة عليها ليست تلك التي تقصفها، بل تلك التي وحدتها بنفسها.

وعندما تصل المنطقة إلى تلك اللحظة، قد لا يكون هناك طرف قادر على التحكم في اتجاه التصعيد.

اقرأ أيضاًوزير الخزانة الأمريكي: هناك طوابير في إيران تمتد لساعات للحصول على الوقود

مصدر إيراني: السفن المخالفة لقواعد طهران تواجه وضعًا أكثر خطورة في مضيق هرمز

Exit mobile version