هل يمكن أن تكتمل صورة مصر دون الصعيد؟ وهل يمكن الحديث عن الشهامة والكرم والأصالة دون أن يمر الحديث على أهل الجنوب الذين حملوا على أكتافهم جزءًا كبيراً من تاريخ الوطن وحضارته؟
عندما نتحدث عن صعيد مصر فنحن لا نتحدث عن منطقة جغرافية فحسب، بل عن مدرسة متكاملة في القيم والأخلاق والانتماء. من محافظات الفيوم وبني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان والبحر الأحمر والوادي الجديد تتشكل لوحة إنسانية فريدة، تجمعها ملامح متقاربة، ولهجة تحمل عبق التاريخ، ودم واحد ينبض بحب الأرض والوطن.
أهل الصعيد يتميزون بصفات أصبحت علامة مسجلة لهم، فالكرم لديهم ليس سلوكاً طارئاً بل ثقافة متوارثة، والوفاء قيمة راسخة، واحترام الكبير وتقدير العائلة جزء من نسيج الحياة اليومية. لذلك ظل الصعيد عبر العقود أحد أهم الحصون الاجتماعية التي حافظت على الكثير من العادات والتقاليد المصرية الأصيلة.
وللصعيد خصوصيته التي تميزه عن غيره، فالمناخ الحار صيفاً، والطبيعة الممتدة على ضفاف نهر النيل، والجبال والصحارى التي تحيط به، كلها صنعت إنساناً قوياً قادراً على التحدي والصبر والعمل في أصعب الظروف.
أما الزي الصعيدي التقليدي، بالجلباب والعمة في كثير من المناطق، فما زال شاهداً على ارتباط الإنسان بجذوره وهويته، بينما تعكس الفنون الشعبية مثل التحطيب والسيرة الهلالية جانباً مهماً من التراث الثقافي المصري.
وعلى امتداد التاريخ، ارتبط أهل الصعيد بالحرف والزراعة والتجارة والصناعات اليدوية، فكانت الأرض مصدر الخير، وكان النيل شريان الحياة الذي قامت عليه القرى والمدن.
ومن هنا لم يكن غريبا أن تكون حضارات مصر القديمة قد ازدهرت على ضفاف هذا النهر العظيم الذي ما زال يجري في قلب الصعيد كما جرى في زمن الفراعنة.
ولم يكن الصعيد يوما مجرد متلق لعطاء الوطن، بل كان دائماً أحد مصادر قوته، ومحرك نهضته، فمن أرضه خرج القادة والعلماء والمفكرون، ومن رجاله تشكلت صفحات مضيئة في تاريخ الجيش والشرطة والقضاء والتعليم والثقافة، حتى أصبح الصعيد شريكاً أصيلاً في صناعة الدولة المصرية الحديثة.
واليوم تشهد محافظات الصعيد أكبر موجة تنمية في تاريخها الحديث.
فقد امتدت إليها مشروعات الطرق والكباري، ومبادرة «حياة كريمة»، والمناطق الصناعية الجديدة، وتطوير الريف المصري، وإنشاء الجامعات والمستشفيات والمدارس، في إطار رؤية تستهدف تحقيق العدالة التنموية بين جميع أقاليم الدولة.
ولأن الصعيد جزء من قلب مصر، فقد ظل العطاء متبادلا عبر التاريخ، فبينما تواصل الدولة ضخ الاستثمارات والمشروعات التنموية في محافظات الجنوب، يواصل أبناء الصعيد تقديم نماذج مضيئة في العمل والإنتاج والعلم والدفاع عن الوطن في أصعب اللحظات.
كما ظل الصعيد خزاناً بشرياً مهماً للعمل والإنتاج والبناء في مختلف أنحاء الجمهورية.
فقد تختلف اللهجات وتتنوع الملامح بين أبناء الوطن، لكن الصعيد يظل الجذر العميق في شجرة مصر، فإذا كانت الحضارة المصرية قد ولدت على ضفاف النيل، فإن كثيراً من قيمها ما زال حياً نابضاً في قلوب أهل الصعيد.
وهنا ندرك الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان: إذا أردت أن ترى مصر كما كانت، وكما يجب أن تكون، فانظر إلى الصعيد، هناك حيث ما زالت الكلمة عهداً، والضيف كرامة، والوطن قيمة لا تقبل المساومة.
اقرأ أيضاًالشخصية المصرية عبر التاريخ.. هوية تتجدد وجذور لا تنقطع









