مقالات

مثلث برمودا التخريبي… حرب تُصاغ في الظل – الأسبوع

تُدار الحرب في الإقليم اليوم بمنطق الصفقات أكثر مما تُدار بمنطق الجبهات، تتجاور الضربات مع المساومات، وتُفصل المدن خلف الأبواب المغلقة في عواصم لا تدفع كلفة القصف. تستيقظ دول المنطقة على اتفاق لم تحضر صياغته، أو معبر يُفتح بقرار أمريكي منفرد، أو جبهة تُخفض حرارتها لأن واشنطن وطهران وجدتا مخرجاً مؤقتاً لمصالحهما، وكأن المنطقة مجرد ساحة تُنفذ فوقها قرارات صُنعت خارجها، ثم تُحمل وحدها كلفتها. فما يجري ليس حربًا تقليدية، بل هندسة صراع باردة تُوزع أدوارها بين النار والتفاوض، وتُفرض نتائجها على الشعوب في هيئة مفاجآت سياسية.

وفي صميم هذا الغموض يتشكل “مثلث برمودا التخريبي”: الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وليس المقصود تحالفاً معلناً أو اتفاقاً سرياً موثقاً، فالصراع بينها حقيقي والمصالح متعارضة، لكن الأخطر هو ذلك التوافق الوظيفي غير المعلن الذي تختلف فيه الأدوات وتتطابق النتائج. فواشنطن تريد إقليماً أسيراً لمظلتها، وإسرائيل تريد جواراً عربياً مستنزفاً بلا قوة ردع مستقلة، وإيران تسعى إلى فضاء عقائدي وسياسي عابر للحدود، تمدد داخله مشروع ولاية الفقيه على حساب سيادة الدول. تتنازع الأطراف الثلاثة على النفوذ والحصص، لكنها تلتقي في الحصيلة: إضعاف الدولة العربية، ومصادرة قرارها، وتحويل أمنها إلى سلعة في سوق المساومات الدولية.

وهو «مثلث برمودا» لأن ما يدخله من سيادة عربية يختفي، وما يقترب منه من استقرار يُبتلع، وما يُلقى داخله من حقائق يتبخر تحت كثافة التضليل والدعاية. لا يسعى هذا المثلث إلى إنهاء الحروب، بل إلى ضبط حرارتها، يشعل الجبهات حين تخدمه الفوضى، ويخفضها حين تتطلب المصالح هدنة، ثم يترك الدول العربية عالقة بين حماية ترهن قرارها، وتهديد يستنزف أمنها، ونفوذ يتسلل إلى مؤسساتها. وهكذا تُنزَع عن المنطقة صفة الشريك، وتُختزل إلى ساحة لصراعات الآخرين، ومادة تفاوضية تُدرج في صفقات لم تشارك في صياغتها.

ويمضي المشروع الإيراني وفق خطة ممتدة منذ عقود، تسعى إلى تحويل ولاية الفقيه إلى منظومة نفوذ عابرة للحدود، تنمو عبر الفجوات الأمنية وتتغذى على الفراغات السياسية. ولأن طهران لم تستطع بلوغ الخليج مباشرة، حاولت تطويقه بحزام يمتد من لبنان إلى العراق وسوريا واليمن، ساحات اختُرق فيها القرار الوطني، وتشظت السيادة بين الدولة والسلاح العابر لها.

ويبقى لبنان أخطر أوراق هذا الحزام، لا لأن طهران تحمل مشروعاً لإنقاذه، بل لأنها تراه منصة نفوذ متقدمة على المتوسط، وسلاحاً تفاوضياً ترفعه في وجه واشنطن وإسرائيل كلما أرادت تحسين شروطها. فإيران لا تحمي لبنان، بل تحتجز قراره، لا تفاوض من أجله، بل تساوم به، وتتعامل مع هدوئه ودمائه وحدوده بوصفها أدوات قابلة للتحريك داخل صفقتها الكبرى.

وكان الخليج الهدف الأثمن في حسابات المثلث، بثرواته وممراته وثقله الاستراتيجي. راهنت أطرافه على جرّ دوله إلى مواجهة خليجية إيرانية تعمق الوجود الأمريكي باسم الحماية، وتمنح إسرائيل غطاءً عربياً، وتتيح لطهران توسيع الحرب وتبريرها. لكن الرهان سقط أمام وعي خليجي فصل بين حماية السيادة والانتحار في حرب الآخرين. أخفقت واشنطن في تحويل الخليج إلى أداة عسكرية، وإسرائيل في انتزاع شرعية عربية لحربها، وإيران في شق الموقف الخليجي أو فرض وصايتها على الطاقة والممرات. نشر المثلث الخوف، لكنه عجز عن مصادرة القرار.

وحين تعثر اختراق الخليج، اتجهت دوائر الضغط نحو مصر، فهي مركز الثقل العربي والعقدة التي يتقاطع عندها أمن غزة وقناة السويس والبحر الأحمر وشرق المتوسط. وإضعافها لا يعني استنزاف القاهرة وحدها، بل كسر العمود الاستراتيجي الذي يحول دون سقوط المنطقة في فراغ تتقاسمه مشاريع الخارج.

أما تركيا، التي كانت تتصدر المشهد الإقليمي بثقل عثماني متجدد، فتقف اليوم بين الوساطة والترقب، تحافظ على صلاتها بواشنطن، وتنافس إيران، وتعارض إسرائيل في خطابها، من دون أن تحسم موقعها في معركة يُعاد فيها تشكيل الإقليم.

إن الحرب الحالية لا تكشف قوة أضلاع هذا المثلث بقدر ما تفضح إفلاس مشاريعها، فأمريكا لم تصنع استقراراً، وإسرائيل لم تحقق أمناً دائما، وإيران لم تبنِ جواراً يثق بها.

لكن أخطر ما قد نرتكبه هو أن نقرأ تعثر هذا الثالوث بوصفه نصراً يمنحنا ترف الانتظار، فالفشل الذي لا يقابله مشروع مستقل لا يخلف نصراً، بل فراغاً يتأهب الآخرون لاحتلاله.

وما لم ننتقل من انتظار ما يُقرر لنا إلى بناء منظومة أمنية مستقلة تصوغ التوازنات بدل أن تخضع لها، فستظل الهدن تُعلن فوق رؤوسنا، والمعابر تُفتح وتُغلق على مقاس صفقات غيرنا، وتبقى المنطقة مختبراً لمغامرات الآخرين، بينما تدفع شعوبها وحدها الكلفة. فإما أن نصوغ قرارنا اليوم، أو نصبح غداً جزءاً من خرائط يعيد الآخرون رسمها على حساب سيادتنا.

فرقة فنون متحدي الإعاقة تقدم الفلكلور السكندري على مسرح الأنفوشي

طبول الحرب تُقرع.. رقصة النار فوق براميل الذهب الأسود!

ثقافة القليوبية تنظم حفل توقيع ديوان “كيف تربي سحابة”

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts