د. طارق هلال
في الحروب الكبرى لا تكون المعارك دائمًا هي الهدف، بل قد تكون مجرد أدوات لتحقيق أهداف أعمق وأكثر تعقيدا، وبينما تتابع المنطقة فصول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل ما نشهده مجرد صراع عسكري محدود، أم أننا أمام مشروع استنزاف طويل الأمد يعيد تشكيل الشرق الأوسط سياسياً واقتصادياً وأمنيا؟
ما يثير القلق ليس حجم الضربات العسكرية، بل احتمالية تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوح تستنزف الجميع، بينما تحقق أطراف معينة مكاسب استراتيجية بعيدة المدى لا تظهر في العناوين اليومية للأخبار.
هل يجر نتنياهو الولايات المتحدة إلى حرب ممتدة؟
يعتقد كثير من المحللين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى إلى إبقاء الولايات المتحدة منخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر في الصراع الإقليمي. فكلما تعاظمت التهديدات الأمنية المحيطة بإسرائيل، ازدادت حاجتها إلى الدعم الأمريكي العسكري والسياسي والاقتصادي.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت واشنطن تنجر إلى الصراع، بل ما إذا كانت المصالح الأمريكية والإسرائيلية ما زالت متطابقة بالكامل أم أن هناك نقاط اختلاف بدأت تظهر بشأن تكلفة الحروب الممتدة ومستقبل المنطقة.
هل تتحكم إسرائيل في الولايات المتحدة؟
هذه المقولة تتكرر كثيراً في الخطاب السياسي والإعلامي، لكنها تبقى تبسيطاً مخلًا للمشهد.الواقع أكثر تعقيداً، فالعلاقة بين البلدين تقوم على شبكة واسعة من المصالح الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية والسياسية.
تمتلك إسرائيل نفوذًا كبيرًا داخل دوائر صنع القرار الأمريكية، لكنها لا تتحكم في الولايات المتحدة بالمعنى الحرفي. فواشنطن دولة عظمى تحركها حسابات الأمن القومي والمصالح الاقتصادية والمنافسة الدولية مع القوى الكبرى، وفي أحيان كثيرة تتوافق هذه المصالح مع الرؤية الإسرائيلية، وفي أحيان أخرى تتباين معها.
ماذا حققت إسرائيل حتى الآن؟
رغم الخسائر الأمنية والسياسية التي تعرضت لها منذ اندلاع الحرب في غزة، فإن إسرائيل حققت بعض الأهداف المهمة من وجهة نظرها: إعادة وضع الملف الأمني في صدارة الأولويات الإقليمية، توجيه ضربات لعدد من القوى المناوئة لها في أكثر من ساحة، دفع العديد من الدول الغربية إلى تعزيز دعمها العسكري والسياسي، تحويل جزء كبير من الاهتمام الدولي من القضية الفلسطينية إلى ملفات الأمن الإقليمي، ولكن في المقابل، واجهت إسرائيل تحديات غير مسبوقة على مستوى الصورة الدولية والضغوط السياسية والاقتصادية، إضافة إلى استمرار حالة عدم اليقين بشأن تحقيق نصر استراتيجي حاسم.
لماذا قد تفضل إسرائيل بقاء المنطقة مشتعلة؟
من منظور بعض المدارس التحليلية، فإن حالة الفوضى وعدم الاستقرار في البيئة الإقليمية قد تمنع ظهور قوى منافسة قادرة على تهديد التفوق الإسرائيلي، فالدول المنشغلة بأزماتها الداخلية وصراعاتها الإقليمية لا تمتلك القدرة على بناء مشاريع تنموية أو عسكرية كبرى، وهو ما يجعل ميزان القوى يميل بصورة أكبر لصالح إسرائيل، كما أن استمرار التوترات الأمنية يمنح الحكومات الإسرائيلية مبررات إضافية لتعزيز الإنفاق العسكري والحصول على مزيد من الدعم الغربي.
حقيقة «النيل إلى الفرات».. بين الأسطورة والواقع
تظل فكرة «إسرائيل من النيل إلى الفرات» من أكثر القضايا إثارة للجدل في الوعي العربي، لا يوجد اليوم مشروع سياسي أو قانوني معلن تتبناه الدولة الإسرائيلية لتحقيق هذا التصور الجغرافي، لكن كثيرين يرون أن النفوذ لا يشترط دائماً السيطرة المباشرة على الأرض، بل قد يتحقق عبر التأثير السياسي والاقتصادي والأمني. لذلك يبقى السؤال الحقيقي ليس هل ستتمدد إسرائيل جغرافيًا، بل إلى أي مدى يمكن أن يتسع نفوذها الاستراتيجي داخل المنطقة خلال العقود القادمة.
لبنان.. الدولة العالقة بين الحرب والتفاوض
يبقى لبنان أحد أكثر الساحات حساسية في الصراع الإقليمي، فهو يمثل نقطة تماس مباشرة بين إسرائيل ومحور المقاومة، وفي الوقت نفسه يعاني من أزمات اقتصادية وسياسية عميقة تحد من قدرته على تحمل حرب واسعة النطاق، ولذلك يبدو أن لبنان يتحرك دائمًا بين احتمالين: أن يكون ساحة مواجهة، أو ورقة تفاوض ضمن ترتيبات إقليمية أكبر.
القضية الفلسطينية.. الخاسر الأكبر
وسط الضجيج العسكري والسياسي، تبقى القضية الفلسطينية هي الخاسر الأكبر. فبدلاً من الانتقال نحو حل سياسي عادل ومستدام، تحولت القضية إلى جزء من شبكة معقدة من الصراعات الإقليمية والدولية، ومع كل جولة تصعيد جديدة تتراجع فرص التسوية، بينما تتفاقم المعاناة الإنسانية وتتآكل الثقة في إمكانية الوصول إلى سلام حقيقي.
الاقتصاد الإقليمي يدفع الثمن
الحروب الممتدة لا تستنزف الجيوش فقط، بل تستنزف الاقتصادات أيضًا فارتفاع تكاليف التأمين والشحن، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع الاستثمارات، وزيادة الإنفاق العسكري، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة على اقتصادات المنطقة، كما أن استمرار التوتر في البحر الأحمر وباب المندب والخليج العربي ينعكس على حركة التجارة العالمية وأسعار الطاقة وأسواق المال.
وإذا تحدثنا عن التطورات الأخيرة للموقف فالمعلن أن الإدارة الأمريكية بررت الضربات السابقة والمتكررة ضد إيران بأنها رد على تهديدات للقوات الأمريكية، وحماية للملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ومنع تطور القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية. كما ربطت واشنطن بعض عملياتها بالرد على هجمات أو استهدافات إيرانية أو من جماعات حليفة لطهران.
أما التفسير الاستراتيجي الذي يطرحه بعض المحللين. أن هناك من يرى أن الهدف أوسع من مجرد الرد العسكري، ويتعلق بـ: استنزاف القدرات الإيرانية، إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، تأمين طرق الطاقة والتجارة العالمية، تعزيز الردع الأمريكي والإسرائيلي، فرض شروط تفاوضية أقوى على إيران.
وهناك سؤال متداول: هل يمكن أن تكون هناك «خدعة» يتم فيها ضرب دول الخليج ثم اتهام إيران؟ نظريا، في السياسة الدولية توجد عمليات خداع ومعلومات مضللة عبر التاريخ، لكن لا يوجد حالياً دليل موثوق أو معلن يثبت وجود خطة أمريكية أو إسرائيلية لضرب دول الخليج وإلصاق التهمة بإيران، وهذا النوع من الفرضيات يدخل في نطاق التكهنات ما لم تدعمه: أدلة استخباراتية موثقة، تحقيقات دولية مستقلة، اعترافات أو وثائق رسمية مسربة يمكن التحقق منها، ولذلك لا يمكن التعامل معه كحقيقة، وإنما كسيناريو افتراضي يطرحه بعض المراقبين.
لكن السؤال الأكثر أهمية من وجهة نظر استراتيجية هو: من المستفيد من استمرار التوتر؟ والإجابة ليست طرفاً واحداً فقط. فاستمرار الصراع قد يخدم أطرافاً مختلفة بطرق مختلفة: إسرائيل تستفيد من إضعاف خصومها الإقليميين، بعض التيارات داخل إيران تستفيد من توحيد الجبهة الداخلية تحت ضغط التهديد الخارجي، شركات الطاقة والسلاح تستفيد اقتصادياً من حالة التوتر، بعض القوى الدولية تستفيد من انشغال المنافسين الإقليميين بصراعات طويلة.
وفي المقابل، فإن الخاسر الأكبر غالباً هو اقتصاد المنطقة وشعوبها. فكل تصعيد يرفع تكلفة التأمين والشحن والطاقة ويؤخر الاستثمار والتنمية. وقد أظهرت التطورات الأخيرة مدى حساسية أسواق النفط ومضيق هرمز لأي مواجهة جديدة.
كيف تتجنب دول المنطقة الوقوع في فخ الاستنزاف؟
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اندلاع الحروب، بل في انجرار دول المنطقة إلى حروب استنزاف طويلة تستنزف الاقتصاد قبل الجيوش، وتستنزف التنمية قبل السياسة، وتستنزف الأجيال القادمة قبل الحكومات الحالية، ومن هنا، فإن التحدي الأكبر أمام دول الشرق الأوسط لا يتمثل في اختيار طرف ضد آخر، وإنما في حماية مصالحها الوطنية ومنع تحويل أراضيها واقتصاداتها إلى وقود لصراعات الآخرين.
ويتطلب ذلك عدة مسارات متوازية: الحفاظ على قنوات الاتصال الدبلوماسي مفتوحة حتى في أوقات التصعيد، وتحصين الجبهة الداخلية اقتصاديا واجتماعياً، وتسريع مشروعات التنمية والاستثمار، وتقليل الاعتماد على مصادر التوتر الخارجي، وبناء شراكات إقليمية قائمة على المصالح المشتركة لا على الاستقطاب السياسي.
فالدول التي تنشغل ببناء اقتصادها وتعزيز استقرارها الداخلي تصبح أقل قابلية للاستنزاف وأكثر قدرة على حماية قرارها الوطني. أما الدول التي تسمح للصراعات بأن تفرض أولوياتها عليها، فقد تجد نفسها بعد سنوات طويلة وقد خسرت الكثير دون أن تحقق مكسباً حقيقياً، ولهذا ربما تكون المعركة الأهم في المرحلة المقبلة ليست المعركة التقليدية، بل معركة الحفاظ على الاستقرار والتنمية ومنع المنطقة من الانزلاق إلى دوامة استنزاف مفتوحة لا يعرف أحد متى تنتهي.
إن الخطر الأكبر ليس في الصاروخ الذي يسقط اليوم، بل في الحرب التي لا تنتهي غداً. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم قد تنجو من المعارك، لكنها كثيرا ما تنهار تحت وطأة الاستنزاف الطويل، ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يشغل المنطقة ليس من سيربح الجولة الحالية، بل من سيخرج بعد سنوات وهو ما زال يمتلك دولة قوية، واقتصاداً قادراً على النمو، ومجتمعاً لم تلتهمه نيران الصراعات. ففي عالم السياسة الدولية، قد لا يكون الانتصار الحقيقي لمن يطلق الرصاصة الأخيرة، بل لمن ينجح في تجنب الوقوع في فخ الحرب الدائمة.
وفي النهاية، قد يختلف المحللون حول هوية المنتصر في المواجهة الحالية، لكن ما لا خلاف عليه أن الخاسر الأكبر سيكون الشرق الأوسط إذا تحولت المواجهات المتفرقة إلى حرب استنزاف إقليمية طويلة.
ولهذا يبقى السؤال الأكثر أهمية ليس: من سيهزم من؟ بل: هل تمتلك دول المنطقة من الحكمة والوعي الاستراتيجي ما يكفي لمنع تحويل الشرق الأوسط إلى ساحة استنزاف مفتوحة تخدم مصالح الجميع إلا شعوب المنطقة نفسها؟
اقرأ أيضاًوزير الخارجية الإيراني: مذكرة التفاهم مع واشنطن تضم 14 بندًا ولم تُوقّع بعد
وزير الخارجية يؤكد لـ نظيريه الباكستاني والإيراني أهمية التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب
مسؤول أمريكي: مسودة الاتفاق مع إيران تتضمن رفع الحصار وتفكيك برنامجها النووي









