لو ارتدى أحدهم زِى ضابط شرطة واستوقف الناس في الشارع، لاستقرت به الحال خلف الأسوار في أيام معدودات، بتهمة انتحال صفة وظيفة عامة، ولو فتح جاهل بالطب عيادة ليطبب الأجساد بلا شهادة، لثارت ثائرة المجتمع وصدرت بحقه أحكام سريعة بغلق عيادته وإيداعه السجن.
وثالثة الأسافي أن ينتحل شخص ما صفة القاضي، لكن، ماذا يحدث عندما يرتدي أحدهم عباءة الدين، وينصب نفسه مفتيا أو داعية وموجها روحيا للأمة بلا علم أكاديمي معتمد، ولا ترخيص من المؤسسة الدينية؟
في أغلب الأحيان لا شيء، بل يستضاف في الفضائيات، وتفتح له منصات التواصل، ليمارس «الانتحال» تحت لافتة حرية الرأي والتعبير.
وكثيرة هي البرامج التي تستضيف أدعياء العلم الديني وغيره، وما أكثر فلاسفة الاقتصاد والعلوم السياسية الذين صاروا ضيوفا دائمين فى هذه البرامج.
هذا التناقض الصارخ يعبر عن ازدواجية معايير لا يمكن السكوت عنها. فالقوانين الوضعية أقامتها الدول لحماية ضبطها الإداري وأمن مجتمعاتها، فجرمت أداء أي عمل من أعمال الوظيفة العامة دون صفة رسمية أو إذن بمباشرتها، وفرضت عقوبات مشددة صونا للمواطنين من النصب والابتزاز. غير أن الشريعة الإسلامية ذاتها كانت أسبق في إقرار مبدأ احترام التخصص، إذ يقول الحق تبارك وتعالى: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (الأنبياء: 7)، بينما حذر النبي – صلى الله عليه وسلم – من تسلم غير المؤهلين لمقاليد الأمور، فقال فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه: عن أبي هريرة رضي الله عنه، حين سأل أعرابي النبي – صلى الله عليه وسلم – عن وقت الساعة، فأجاب النبي: «إذا ضيِّعتِ الأمانةُ فانتظرِ الساعةَ»، قال: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلهِ فانتظرِ الساعةَ.
فلماذا إذن يصفق المجتمع للقانون عند الحفاظ على الأبدان والأموال، وينكص على عقبيه عندما يتعلق الأمر بالدين والعقل؟.
إن خطر المفتي المزيف لا يقل عن خطر الطبيب المزيف، بل يفوقه بمراحل. فالطبيب المزيف قد يودي بحياة فرد، أما المتجرئ على الفتوى بغير علم فيعصف بأمن أمة بأكملها، يمزق نسيج الأسرة، ويشيع الفكر المتطرف، ويحرم ما أحل الله أو يحل ما حرم. وقد حذر القرآن الكريم من هذا التعدي السافر في قوله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتفتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ” (النحل: 116).
كما رسم النبي – صلى الله عليه وسلم – الصورة القاتمة لهذه الفوضى بقوله: حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا «متفق عليه».
لقد حان الوقت لإنهاء هذا التراخي التشريعي والمجتمعي. ولا بد أن يتسع مفهوم «انتحال الصفة» في التشريعات الحديثة ليطال كل من يتسلل إلى منبر الفتوى والإرشاد الديني دون تأهيل أكاديمي واعتماد مؤسسي من الهيئات المختصة.
إن حماية الدين من أدعيائه ليست تقييدا للحريات، بل هي صيانة للوعي العام، وتطبيق واجب لروح القانون التي لا تفرق بين الأمن الجسدي والأمن الفكري.
ومن هنا، أوجه نداء صريحا إلى السادة أعضاء البرلمان المشرعين ونواب الشعب تحت قبة البرلمان: إن السكوت على هذا الفراغ التشريعي لم يعد مجرد تغافل إداري، بل هو تواطؤ غير مباشر مع فوضى العقول.
إنكم مطالبون اليوم قبل الغد بتقديم تعديل قانوني عاجل يضع حدا لهذه المهازل، ويدرج انتحال الصفة والوظيفة الدينية، – وخاصة التصدي للفتوى والخطابة بلا ترخيص – ضمن جرائم انتحال الصفات العامة المنصوص عليها في قانون العقوبات، مع فرض عقوبات رادعة لا تتسامح مع من يستغلون مشاعر الناس الروحية، فالأمة التي تحمي أمنها العسكري والاقتصادي، لا يجوز لها أن تترك أمنها الفكري والديني مشاعا لكل متسلق ينتحل صفة المفتي أو عالم الدين أو الداعية، ولابد من تجريم ارتداء الزي الأزهري لغير الأزهريين.
اقرأ أيضاًأبناء.. “الطلاق”









