يشهد المجال الإعلامي العالمي تحولًا نوعيًا متسارعًا بفعل التقدم في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو تحول لم يعد يقتصر على تطوير أدوات الإنتاج أو تسريع تداول الأخبار، بل امتد ليطال جوهر العملية الإعلامية نفسها: بناء القصة وتشكيل المعنى.
وفي هذا الإطار، يبرز الإعلان عن مشروع «النواة» داخل شبكة الجزيرة، القائم على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي بالشراكة مع Google Cloud، باعتباره مؤشرًا على مرحلة جديدة في إدارة التأثير الإعلامي.
القضية هنا لا تتعلق بمبادرة تقنية في ذاتها، بل بما تعكسه من تحول أعمق في طبيعة القوة الناعمة، وبما تفرضه من أسئلة استراتيجية على مفهوم الأمن القومي في صورته الحديثة.
في المفهوم التقليدي، ارتبط الأمن القومي بعناصر القوة العسكرية والاقتصادية، أما اليوم، فقد أضيف بعداً لا يقل أهمية يتمثل في القدرة على إدارة السرد العام، فطريقة عرض الحدث، واختيار زواياه، وترتيب أولوياته، أصبحت عوامل حاسمة في تشكيل الإدراك الجمعي، داخليًا وخارجيًا.
ويوفر الذكاء الاصطناعي للمؤسسات الإعلامية قدرة غير مسبوقة على معالجة كم هائل من المعلومات، وتوحيد الخطاب عبر منصات متعددة، والاستجابة السريعة للأحداث المتلاحقة، وهي قدرات تحمل فرصًا مهنية حقيقية، لكنها في الوقت ذاته تفرض تحديات تتجاوز المجال الإعلامي إلى المجال الاستراتيجي.
مع انتقال بعض وظائف التحرير إلى الخوارزميات، لم يعد القرار الإعلامي نتاجًا بشريًا خالصًا، بل أصبح نتاج تفاعل بين الإنسان ومنطق البرمجة، هذا التحول لا يعني بالضرورة غياب التعددية أو اختزال الواقع، لكنه يستدعي وعيًا متقدمًا بأن الخوارزمية لا تعمل في فراغ، بل تعكس افتراضات ومعايير مُسبقة، قد تؤثر في ترتيب الوقائع وإبرازها أو تهميشها.
ومن هنا، يصبح السرد الإخباري جزءًا من معادلة القوة، لا مجرد انعكاس محايد للحدث.
تسلط الشراكات مع شركات تكنولوجية عالمية، مثل Google Cloud، الضوء على إشكالية السيادة المعلوماتية في عصر العولمة الرقمية، فحين تمر البيانات، ونماذج التحليل، والبنية التحتية لمعالجة المحتوى عبر أطراف خارجية، يصبح من المشروع طرح تساؤلات تتعلق بالتحكم في منطق المعالجة وليس فقط في المحتوى النهائي، وفي سياق الحروب الهجينة والتنافس على النفوذ، باتت البيانات والسرد الإعلامي موردين استراتيجيين يتطلبان إدارة دقيقة ومتوازنة.
بالنسبة لمصر، بوصفها دولة مركزية في محيطها الإقليمي، فإن هذه التحولات تفرض إدماج البعد الإعلامي الرقمي ضمن مفهوم الأمن القومي الشامل، فالتحدي لا يتمثل في تعدد الروايات، وهو أمر طبيعي في عالم مفتوح، بل في القدرة على التعبير عن الرواية الوطنية بكفاءة واحتراف في بيئة إعلامية تتغير أدواتها بسرعة.
غير أن أي حديث عن السرد والأمن القومي يظل منقوصًا إذا اقتصر على التكنولوجيا وحدها، متجاهلًا العنصر البشري.
فمصر تمتلك رصيدًا تاريخيًا وبشريًا مهمًا من الكوادر الصحفية القادرة على فهم تعقيدات الدولة والمجتمع، واستيعاب السياقات الإقليمية والدولية، وصياغة خطاب مهني متوازن، هذا الرصيد لا ينبغي التعامل معه بوصفه مجرد قوة عمل داخل مؤسسات إعلامية، بل باعتباره رأس مال لا يقل أهمية عن المنصات أو التقنيات الحديثة.
فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، لا يصنع سردًا وطنيًا من تلقاء نفسه، بل يعتمد على مادة أولية يصوغها الصحفي، ويمنحها السياق والمعنى.
توظيف هذا الذخر الإستراتيجي يظل مرهونًا بإعادة صياغة العلاقة بين الصحفي والدولة، بما يتجاوز الواقع القائم الذي كثيرًا ما يتسم بالتوجس أو غياب الرؤية المشتركة.
ففي عالم تُدار فيه معارك السرد بوسائل متقدمة، لا تكفي علاقة تقوم على الضبط أو رد الفعل، ولا على الفصل الحاد بين المهنية والاعتبارات الوطنية، فالمطلوب هو مقاربة أكثر نضجًا ترى في الصحفي شريكًا في بناء الوعي العام، وعنصرًا فاعلًا في الدفاع عن المصالح الوطنية لا مجرد ناقل للمعلومة أو طرفًا يُنظر إليه بعين الريبة.
إن الدفاع عن السردية الوطنية لا يتحقق بتقييد المجال، بل ببناء الثقة، وتوسيع مساحات النقاش المسؤول، والاستثمار الحقيقي في التأهيل المهني والتكنولوجي.
فالصحفي المؤهل والواثق من دوره هو الأقدر على تفكيك السرديات المعادية، ومواجهة التشويه دون انفعال، وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لصالح الدولة لا ضدها.
ومن دون هذا التحول، ستظل أي استثمارات في التكنولوجيا أو المنصات محدودة الأثر، لأن السرد في جوهره نتاج وعي قبل أن يكون نتاج خوارزمية.
عموماً فإن مشروع «النواة» يعكس مرحلة جديدة يتقاطع فيها الإعلام مع الذكاء الاصطناعي ومعادلات القوة، غير أن حماية السردية الوطنية لا تتحقق بالتقنيات وحدها، بل بالجمع بين السيادة التكنولوجية والعقل البشري المؤهل.
وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في الصحفي، وإعادة تعريف علاقته بالدولة على أساس الشراكة والمسؤولية، شرطًا أساسيًا لتعزيز الأمن القومي في عالم تحكمه الخوارزميات بقدر ما تحكمه الأفكار.
اقرأ أيضاًمسؤول بـ «الوطنية للإعلام»: التحول الرقمي أصبح واقعا يفرض نفسه على مختلف جوانب الحياة
كيف نفهم الإعلام؟.. ورشة عمل تفاعلية بمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب









