مقالات

ماذا يستقبل العالم؟ | عام جديد على صفيح ساخن.. والخرائط تُعاد رسمها بالنار لا بالدبلوماسية

لا يدخل العالم عامًا جديدًا هذه المرة بخطى مترددة، بل يندفع إليه مثقلًا بالبارود، متخمًا بالأسئلة، ومشدود الأعصاب إلى حافة انفجار شامل. نحن لا نستقبل عامًا عاديًا، بل نلج زمنًا تتكسر فيه المسلّمات القديمة، وتسقط أوهام الاستقرار، وتتحول فيه الجغرافيا إلى ساحة اختبار مفتوحة لإرادات القوة.

المشهد الدولي اليوم ليس مجموعة أزمات متفرقة، بل لوحة واحدة تتداخل فيها الخطوط، من أوكرانيا شرق أوروبا، إلى الشرق الأوسط، وصولًا إلى أمريكا اللاتينية، حيث تعود فنزويلا مجددًا إلى واجهة الصراع الصامت بين واشنطن وخصومها.

إنها سياسة إشعال الأطراف لا مواجهة المركز، استراتيجية إنهاك طويلة الأمد تُدار بأدوات اقتصادية أحيانًا، وعسكرية بالوكالة في أغلب الأحيان.

في الشرق الأوسط، لم تعد الأحداث تُقرأ بمعزل عن بعضها. لبنان، غزة، اليمن، العراق، وسوريا، كلها تتحرك داخل إيقاع واحد وإن اختلفت الوتيرة.

الضغوط الأمريكية تتكثف تحت عنوان واحد: «ضبط السلاح الخارج عن منطق الدولة، أو بالأحرى إخضاع توازنات الردع القائمة لشروط جديدة تخدم أمن إسرائيل قبل أي شيء آخر».

إسرائيل، من جهتها، لا تخفي استعدادها لمرحلة مغامرة كبرى. حكومة مأزومة داخليًا، تبحث عن خلاص خارجي، ترى في المواجهة مع إيران فرصة لإعادة خلط الأوراق، وتعتقد أن تفكيك سلاح حماس وحزب الله هو المدخل الإجباري لأي شرق أوسط يُراد له أن يُدار من غرفة واحدة، غير أن هذه الحسابات، التي تُرسم في غرف العمليات، تتجاهل حقيقة أساسية «أن المنطقة لم تعد قابلة للحروب الخاطفة، ولا للضربات المحدودة».

إيران، التي راكمت صبرًا استراتيجيًا طويلًا، لم تعد تنظر إلى الوقت كحليف. التحولات المتسارعة والتهديدات المتراكمة تدفعها إلى إعادة تعريف مفهوم الردع، لا بوصفه دفاعًا ساكنًا، بل فعلًا استباقيًا إذا اقتضت الضرورة. وهنا تكمن خطورة المرحلة: تقلّص المسافة بين القرار والتنفيذ، وبين الرسالة والضربة.

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فتدير هذا المشهد بعقلية مزدوجة، في العلن، دعوات للتهدئة وضبط النفس، وفي العمق إدارة توترات محسوبة تضمن بقاء مناطق ساخنة مشتعلة دون الانزلاق إلى حرب عالمية مباشرة.

أوكرانيا مثال صارخ «حرب استنزاف مفتوحة بلا أفق حسم، تُستخدم لإضعاف روسيا وإعادة ترتيب ميزان القوى في أوروبا، حتى وإن كان الثمن استقرار العالم».

وفي الخلفية، تقف فنزويلا كملف مؤجل لكنه حاضر، بلد يمتلك الطاقة، ويقع خارج الطاعة الأمريكية الكاملة، ويُستخدم كورقة ضغط متى دعت الحاجة، في سياق صراع عالمي على الموارد والنفوذ. فالرسالة واضحة: لا مناطق محايدة في هذا العالم، ولا دول خارج الحساب.

لبنان، في قلب هذا الإعصار، ليس مجرد ساحة صغيرة، بل نقطة تماس حساسة بين مشاريع كبرى.

أي اهتزاز داخلي، وأي صدام غير محسوب، قد يتحول إلى شرارة تتدحرج خارج السيطرة، لذلك، تبدو محاولات دفع الجيش إلى مواجهة داخلية لعبة خطيرة، لا تخدم الاستقرار بقدر ما تخدم سيناريو الفوضى الخلّاقة.

نحن أمام عالم يعيد تعريف القوة، لا بالقانون، بل بالقدرة على فرض الوقائع، الدبلوماسية تتراجع، واللغة الخشنة تتقدم، والخرائط تُعاد صياغتها على وقع الصواريخ لا الاتفاقات. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ما نشهده هو ذروة التوتر أم مجرد بدايته؟

عام جديد يُقبل، لكنه لا يحمل وعودًا بل إنذارات.. عالم يتغير، ومنطقة تقف عند مفترق طرق، حيث الخطأ الواحد قد يشعل سلسلة حرائق لا تُطفأ بسهولة.

إنها لحظة اختبار للعقل قبل السلاح، وللحكمة قبل المغامرة، لكن التاريخ علّمنا أن العالم نادرًا ما يتعلم في الوقت المناسب.

(محمد سعد عبد اللطيف، كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)

اقرأ أيضاًالشرق الأوسط بعد أوهام الردع.. حين تُدار الحروب بدل أن تُمنع

بعد هجوم سيدني بيوم واحد.. رئيس الوزراء الأسترالي يقترح تشديد قوانين حيازة الأسلحة

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts