طارق عبد الحميد
طارق عبد الحميد
“تاريخ العالم ما هو إلا سيرة الرجال العظماء”.. مقولة عبقرية للمؤرخ البريطاني الشهير “توماس كارليل” تعكس تمامًا ما قام به الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر في يوم (26) يوليو عام 1956م من ميدان المنشية بالإسكندرية أثناء الاحتفال بالذكرى الرابعة لقيام ثورة (23) يوليو، حين أشعل زلزالًا سياسيًا مدويًا بقوله: “تؤمم شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية”.
وقد أحسنت إدارة معرض القاهرة الدولي الـ (57) المقام حاليًا – وينتهي في الخامس من فبراير- بتخليد هذه الذكرى العزيزة والاحتفال بمرور (70) عامًا عليها رغم أنه بقي نحو (5) شهور على التاريخ المحدد للاحتفال، وذلك نظرًا لتوقيت إقامة المعرض.
والحقيقة أن عملية “تأميم القناة” تُعد واحدة من أكثر اللحظات حسمًا في تاريخ مصر الحديث والشرق الأوسط، فهي لم تكن مجرد قرار اقتصادي، بل كانت صرخة استقلال سياسي وتحديا صارخا للقوى الاستعمارية التقليدية.
وقد بدأت القصة عندما سعى عبد الناصر إلى بناء السد العالي، وهو المشروع الذي كان يمثل حلم النهضة الزراعية والصناعية لمصر. ومع ذلك، سحبت الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي وعودها بتمويل المشروع كوسيلة للضغط السياسي على مصر بسبب توجهاتها القومية ومساعداتها للثوار حول العالم وشرائها للسلاح من الكتلة الشرقية، وهو ما حدا بعبد الناصر إلى إعلان “تأميم القناة” لتمويل مشروع السد العالي.
وهنا، تحالفت قوى الشر الثلاثية (بريطانيا- فرنسا المتحكمتان في القناة، وإسرائيل) لمعاقبة مصر على التأميم وشنت “العدوان الثلاثي” على سيناء ومدن القناة في أكتوبر 1956م، وهو ما واجهته مصر وزعيمها بالمقاومة والاستبسال الأسطوري حتى خرجت قوى الشر في ديسمبر 1956م بَفعل المقاومة المذهلة من ناحية.. والضغوط الدولية (الاتحاد السوفيتي- أمريكا- الأمم المتحدة).. من ناحية أخرى.
وبدحر هذا العدوان، انتهت – فعليًا- أسطورة القوتين الاستعماريتين التقليديتين (بريطانيا، وفرنسا) إلى الأبد، وأصبحتا في “خبر كان”، كما صعد نجم عبد الناصر ليصبح واحدًا من أهم زعماء العرب وأفريقيا والعالم الثالث، بل ومن أبرز زعماء العالم.
وأيضًا من أهم مكاسب مصر من هذه المعركة، النجاح اللافت في إدارة القناة بكفاءة وطنية، واستخدام عوائدها بالفعل في المساهمة في بناء السد العالي، وهنا لا ننسى مقولة عبد الناصر في “خطاب المنشية” التاريخي (خطاب التأميم): “إننا نبني السد العالي بجماجمنا وبدمائنا وبأرزاقنا.. واليوم نسترد حقوقنا في قناة السويس”، وقوله أيضًا: “إننا اليوم، أيها المواطنون، نتمسك بحقوقنا، ونصمم على الحفاظ على كرامتنا.. إن القناة التي حفرها المصريون ستدار بأيدي المصريين”.
ختامًا، يظل تأميم القناة رمزًا للسيادة الوطنية، حيث تحولت القناة من “دولة داخل الدولة” إلى شريان حياة يضخ الخير في قلب الاقتصاد المصري، مما عزّز مكانة مصر كلاعب محوري في الملاحة الدولية.
