صالح أبو مسلم
صالح أبو مسلم
سيف الإسلام القذافي هو نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، فقد لعب أدوارًا بارزةً في الشأن العام الليبي قبل العام 2011، فكان قياديًّا مؤثرًا في النظام على الرغم من عدم حصوله على منصب رسمي حكومي، وبالرغم من ذلك، فقد كان مقربًا من والده، وقاد الكثير من المفاوضات الخارجية، والقضايا الداخلية قبل سقوط النظام، ولهذا فهو يحمل العديد من الأسرار الداخلية والخارجية للدولة الليبية، وبخاصة مع أمريكا والغرب، وسط ملابسات أزمة قضية “لوكيربي”، والعقوبات التي كانت مفروضة على ليبيا، وبعد القبض عليه، وإرساله إلى المحاكمة في طرابلس لاتهامه بالوقوف وراء الاغتيالات أثناء أحداث الثورة الليبية، بل ولاتهامه ظلمًا بالتحريض بإثارة الحرب الأهلية والإبادة الجماعية، وإساءة استخدامه السلطة والوقوف وراء قتل المتظاهرين، وغيرها من التهم الكبيرة المرتبطة بأحداث ١٧ من فبراير ٢٠١١، وكلها تهم لم تثبتها المحكمة على الفقيد الراحل، حتى صدر بحقه عفو عام، ليقيم بعدها في مدينة الزنتان وسط حراسة مشددة بغرب طرابلس، ليفاجأ العالم باغتياله في ظروف غامضة ومشينة، ما يرجح بوقوف أيادٍ خفية وراء هذا الاغتيال، لما لا، وقد كان يطمح بالترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، وذلك لشعبيته العريضة، وإمكاناته من أجل إعادة الأمن والاستقرار، وتوحيد الأراضي الليبية، وبخاصة، وسط ما تمر به ليبيا من ظروف عصيبة وهشاشة أمنية، مع وجود انقسامات سياسية، وقبلية كبيرة، ووجود العديد من الميليشيات، ونفوذ القوة والجماعات الإرهابية، وارتهان بعض القيادات والرموز الليبية المتناحرة على الحكم، والخاضعة لقوى إقليمية ودولية، بل ولفشل المجتمع الدولي في التوصل إلى حل لعودة السلام إلى ليبيا منذ أحداث الثورة الليبية، ولهذا ستبقى ليبيا مساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وانتشار الفوضى، والتكالب على الحكم، وعدم استقرار البلاد، وفي النهاية تقسيمها إلى ثلاث مناطق نفوذ تتناحر فيما بينها.
وتشكل جريمة اغتيال سيف الإسلام ضربة قاصمة لآمال الليبيين الطامحين بوحدة التراب الليبي، والتعويل على سيف القذافي لثقله السياسي، وشعبيته العريضة، ليأتي اغتياله مؤخرًا على هذا النحو ضمن سياق التصفية السياسية التي تعيشها ليبيا منذ أكثر من ١٥ عامًا، ما يعني عودة البلاد إلى مربع الفوضى والإقصاء، والهيمنة، وزيادة الصراع بين القوى المتصارعة على الحكم، إن هذا الاغتيال الذي طال مقتل قيادي بارز بدم بارد يثير تساؤلات عميقة حول مستقبل العملية السياسية، وبخاصة أن تيار سيف الإسلام كان ضمن الأطراف الموقعة على ميثاق المصالحة الوطنية، ما يعني قوة تياره السياسي داخل المشهد السياسي الليبي، ويرجح الخبراء والمحللون بوقوف أيادٍ خفية وراء اغتياله، منها عمل بعض القوى، والميليشيات الداخلية على التخلص منه باعتباره منافسًا قويًّا على السلطة، وطامحًا لعودة النظام الليبي القديم، إلا أن البعض من الخبراء يستبعد تلك الفرضية، وبخاصة بعد قرار المحكمة بالإفراج عنه عام ٢٠١٥، مع بقائه حتى هذه اللحظة في الزنتان، وبعدم تسليمه إلى محكمة العدل الدولية.
ويرى بعض الخبراء وقوف بعض الميليشيات وقوى الكوماندوز الخارجية وراء اغتياله، والتخلص منه، رابطين اغتياله بقضية الحكم على الرئيس الأسبق “نيكولا ساركوزي”، وانتظار محاكمته في شهر مارس القادم في قضية التمويل الليبي لحملته الانتخابية قبل، وبعد العام ٢٠٠٧، وبخاصة أن سيف الدين القذافي يمثل للقضاء الفرنسي والدولي الشاهد الأقوى الذي كان متبقيًا في تلك القضية، وبخاصة بعد ملابسات موت “زياد تقي الدين” رجل الأعمال اللبناني في نفس يوم دخول ساركوزي السجن، مع التخلص من بعض الشهود كـ”عبد الله السنوسي” رجل القذافي الأول القابع في سجون طرابلس منذ فترة طويلة، ليبقى سيف الدين القذافي الشاهد الأكثر أهمية، والخبير بتلك القضية التي أعلن للإعلام، ولأكثر من مرة بتورط الرئيس ساركوزي في تلقى أكثر من ٨٠ مليون دولار أثناء حملته الانتخابية، واتهامه ساركوزي بالتحالف مع الناتو لإسقاط ليبيا، بالرغم من الزيارة الشهيرة التي قام بها الرئيس الراحل معمر القذافي إلى فرنسا، بعد تخلصه من أزمة “لوكيربي”، وبتوصيته فرنسا برئاسة ساركوزي التي دخل معها في شراكات استراتيجية من أجل رفع العقوبات عن ليبيا، ورفع اسمها من قائمة الإرهاب.
ويعد سيف الإسلام القذافي من الشخصيات القليلة الهامة التي كانت على صلة ومعرفة بقضية الأموال الليبية، ومطالبته بالسماح له بالشهادة أمام المحاكم الفرنسية، وإمكانية رفعه دعوى لاسترداد الأموال الليبية، وذلك لحيازته وثائق رسمية لحوالات مالية موثقة تدين ساركوزي، ولكل تلك الأسباب، تُرجح وجود أجهزة استخبارات دولية وراء هذا الاغتيال، أو أن يكون الموساد الإسرائيلي بالاشتراك مع بعض العصابات الإجرامية والميليشيات الداخلية العميلة هي المسئولة عن القيام بتلك العملية الغادرة للقضاء نهائيًا على الشاهد الأهم في قضية الأموال الليبية المتورط فيها ساركوزي المنتظر إعادة محاكمته في تلك القضية خلال شهر مارس القادم.
