هالة فاروق
د.هالة فاروق
جاء رمضان في خضم ظروف معيشية صعبة، وفي ظل سيطرة حالة من اللامبالاة على جموع المواطنين فيما يتعلق بالقضايا الدولية والتهديدات الخارجية والصراعات حول الحريات والديمقراطية والعدالة وغيرها من قضايا صارت ترفا لا يشغل بال المواطن العادي المشغول بجهاده اليومي من أجل توفير لقمة العيش لأسرته، ومحاولة إيجاد سكن أو علاج أو تعليم أو أي حق من حقوقه الإنسانية التي يكفلها له الدستور والقانون، فضلا عن حروبه الضارية ضد الغلاء، وصعوبة المواصلات، وانتشار القمامة بالشوارع، وغيرها من المشكلات اليومية التي جعلت كل مواطن مهموما بحربه الخاصة لتوفير احتياجاته الحياتية الأساسية، وبات أمله الوحيد أن يمضي يومه الحاضر مستورا فقط، متمنيا أحيانا ألا يأتي الغد!! وبالرغم من ذلك يأتي شهر رمضان المبارك، بأجوائه الروحانية المتمثلة في الصيام والصلاة وقراءة القرآن والزكاة والصدقات حاملا معه الأمل.
ها هو المواطن المصري ينتفض لإعلاء قيم المحبة والتآخي والعطاء والتراحم والترابط والتكافل المجتمعي، كل فرد يتحمل مسئوليته الاجتماعية وواجبه الإنساني ويشارك بما يستطيع لمساعدة غيره، ومحاولة تخفيف الأعباء المادية وتحسين الظروف المعيشية للفئات الأكثر احتياجا، فتظهر موائد الرحمن في كل أنحاء مصر، في دلالة واضحة على ما يتمتع به الوطن من أمن واستقرار، كما يتدفق نهر الخير حتى يصل إلى بيوت المحتاجين، في ملحمة مصرية إنسانية تعكس صورة حقيقية للتكافل الاجتماعي على أرض مصر، وتسهم في تعزيز قوة المجتمع واستقراره دون شعارات رنانة أو إعلانات صاخبة وإنما سلوكيات واقعية تؤكد أن روح الخير والتعاون والرحمة ستظل داخل الشعب المصري مهما كانت قسوة الحياة.
موائد الرحمن لا تعتمد فقط على أموال القادرين ماديا وإنما ترتكز أيضا على جهود المشاركين من البسطاء الذين يبذلون جهدا ووقتا لإعدادها وتجهيزها وخدمة ضيوفها، الجميع يشارك، كل بما يستطيع، من أجل استمرار ظاهرة رمضانية يصعب أن تراها في أي بلد آخر، وربما هي واحدة من أهم التفاصيل التي يقصدها حسين الجسمي حينما يغني رمضان في مصر حاجة تانية والسر في التفاصيل، كل عام ومصر وشعبها ومحبوها بخير.
