أول دال على قرية «الرئيسية» مركز نجع حمادي محافظة قنا هو اسمها، الذى يعنى في المعاجم: الأساسي، الجوهري، أو الأهم من بين مجموعة، كما يستخدم لوصف الشيء المحوري الذي تدور حوله الأمور، مثل الصفحة الرئيسية في المواقع أو السبب الرئيسي لأى أمر كان، كما يستخدم لوصف ما لا يمكن الاستغناء عنه، كالأعضاء الرئيسية.
كما أن اسمها دال على الرئاسة والترأس والمركزية والتمايز عما حولها.
لكن قرية الرئيسية ليست اسما فقط، إنما وصف لقرية حملت من أسباب التفوق والتميز، ما جعل الكثيرون من أهالي الصعيد يطلقون عليها «باريس الصعيد»، تعبيرا عن مكانتها الثقافية ولما لا؟وهي القرية الوحيدة في الصعيد وربما في مصر، التي أُنشأ فيها مكتبة عامة بالجهود الذاتية، وضع لبنتها وأسسها وأمدها بالكتب وزير الصحة والسكان الأسبق الدكتور ماهر مهران، رحمه الله، وربما يرجع ذلك في الأساس لنهضتها التعليمية ومن ثم الفكرية والثقافية المبكرة، التي ربما تكون قد بدأت في بدايات القرن الماضي، الذى شهد بداية اتجاه أهل الرئيسية لتعليم أبنائهم وبناتهم.
وكان في المقدمة من ذلك الطفل فهمي عمر المولود في 6 مارس 1928، الذى أرسله والده لمدرسة ابتدائية كانت تبعد عن القرية عشرات الكيلومترات، شكلت بداية مسيرة طويلة وحافلة، جعلت منه واحدا من أهم الأصوات المصرية والعربية على الإطلاق، ناهيك عن دوره المؤثر إعلاميا وسياسيا واقتصاديا وثفافيا واجتماعيا وتنمويا، فاقت دوره الرياضي بكثير على علو شأنه في هذا المجال.
وربما لبعد المسافة المضنية بين بيت فهمي عمر والمدرسة الابتدائية التي كان يتعلم فيها، والتي كانت تجعله يعبر نهر النيل إلى دشنا، بكر أهل الرئيسية في إنشاء المدارس الابتدائية والإعدادية، والثانوية لاحقا، في بلدتهم، فصارت تلك المدارس التي كانت تدرس فيها مواد الموسيقى والخط والرسم، كمواد رئيسية، مراكز تنموية كبرى بأساتذتها البارزين رجالًا ونساءً، الذين ما زالت الرئيسية تجل وتحترم أسماءهم، ثم التلامذة الذين صار منهم أساتذة يكملون مسيرة التعليم، وصار منهم بارزون وبارزات في كافة المجالات التعليمية والعلمية والتطبيقية والاجتماعية وعلى الأخص الصحفية والإعلامية مقتدين في ذلك بالرمز النابغة فهمى عمر.
وعلى كثرة الأساتذة المعلمين ونظار المعرفة المؤثرين في بلدنا الرئيسية، والذين لم نكن نجرؤ على نطق أسمائهم حتى في سرائرنا بدون كلمة الأستاذ فلان، إلا إننا وحتى الآن، حين ننطق لفظة «الأستاذ» فقط، كنا نعنى بها فقط فهمى عمر، كأنما دل وحده على الكلمة، كما دلت الكلمة عليه، فصارت كلمة الأستاذ المفردة تعنى مفردا معينا هو فهمى عمر.
منذ نعومة أظافرنا، عرفنا الأستاذ فهمي عمر من صوته الذى كان يأتينا من الإذاعة شأننا شأن ملايين المصريين والعرب، لكن المرة الأولى التي رأينا فيها صاحب الصوت عن كثب، هي تلك التي استضاف فيها نادى الزمالك في قريتنا الرئيسية أواخر سبعينات القرن الماضي، وكان يوما مشهودا رأينا فيه ما كنا نسمع أسماءهم في الراديو، ونراهم في التليفزيونات القليلة المحدودة في قريتنا، وعندما سمعنا ورأينا النجوم بيننا، قلنا ولماذا لا نصبح مثلهم حين نكبر؟، فقد باتت النجوم قريبة منا على بعدها، والفضل في ذلك للكوكب البازغ فهمى عمر.
لكن المرة الأولى التي رأيته فيها وصافحته واحتضنته كانت في ليلة مشهودة، مثلت شهادته على شخصي المتواضع، وهى الشهادة التي ربما شكلت طريقي فيما بعد، والتي أعتز بها حتى الآن.
قلت سابقا إن الرئيسية تتميز بمستواها التعليمي والثقافي، ولذلك كانت تقام فيها الليالي الدينية والأمسيات الثقافية والأدبية والفنية، برعاية الأستاذ فهمى عمر، الذى كان حاضرا إحدى تلك الليالي في أواخر ثمانينات القرن الماضي، وحوله ضيوفه من كبارات الصعيد وفى مقدمتهم محافظ قنا.
حضرت الأمسية التي كانت مقامة بساحة الهمامية عائلة الأستاذ، ويحييها شعراء نجع حمادي وقنا مع شعراء آخرين من الصعيد، ووسط هؤلاء قمت وألقيت قصيدة بصفتي شاعرا شابا فقد كنت وقتها لما أزل في الجامعة، ويبدو أن القصيدة كانت مميزة لدرجة أن الشعراء الضيوف لم يصدقوا أن شاعرا شابا مثلى، يمكن أن يكتبها، فأوعز بل أقسم أحد الشعراء الضيوف بأن القصيدة ليست لي بل للشاعر الأسيوطي الكبير محمد إبراهيم، أروع الشعراء الذين قرأت لهم، وبهذا وجدت نفسى متهما وبين أهل قريتي، لكن كان من حسن الحظ أنني كنت قد نشرت القصيدة في مجلة نادى أدب جامعة أسيوط، وأكثر من ذلك أن القصيدة كانت مجاورة لقصيدة من قصائد الشاعر الكبير محمد إبراهيم.
وهكذا عدوت مسرعا إلى بيتنا القريب، وأحضرت نسخة من المجلة، وعدت إلى الساحة وصعدت إلى المسرح رافعا المجلة فوق الجميع، وقائلا: «إن القصيدة قصيدتي وهاهي منشورة باسمي وبجوار قصيدة للشاعر محمد إبراهيم، ولا يعقل هذا الاتهام الذى اتهمت به، ثم لمحت في مقدمة الحضور الشيخ قاسم عبد الله- رحمه الله-، وكان رجلا مهيبا صاحب كلمة، وقيمة ومقام، فوجهت الكلام إليه قائلا: «هل معقول أن أسرق قصيدة من شاعر وأنشرها بجوار قصيدته؟ هل معقول أسرق او أستولى على جلباب الشيخ قاسم ثم أجلس بجواره مرتديا جلبابه؟»، فقام الشيخ قاسم كالأسد رافعا عصاه ومدافعا عن ابن بلدته حتى لو كان شابا صغير مزمجرا لا ليس معقولا، ثم نظر للشعراء الضيوف قائلا: «اعتذروا لشاعرنا، فأبناء الرئيسية هم الشعراء».
ثم جاءت اللحظة الكبرى، بأن قام الأستاذ الكبير فهمي عمر من مكانه، وصعد إلى المسرح، وشد على يدى وكتفي وأمسك بالميكرفون موجها كلامه للجميع قائلا:«كان يمكن أن تمر هذه الليلة الجميلة مرور الكرام، كغيرها من ليالي الرئيسية الجميلة، لكن ما حدث سيجعلها ليلة لن تنسى».
ثم نظر لي مثنيا على شجاعتي ودفاعي عن نفسى قائلا كلمته التي اعتبرها الشهادة الأكبر في حقي «أحيى ابن الرئيسة.. فقد امتطى حصانه وامتشق حسامه ودافع عن نفسه دفاع الأبطال».
ومنذ تلك الليلة شكلت كلمات الأستاذ حياتي، وأصبحت مصباحا مضيئا استهدى به في مشواري الحياتي والصحفي والإعلامي، فبعدها قدر الله لي أن أدخل عالم الصحافة والإعلام بدون واسطة أو محسوبية أو مجاملة من أحد، اللهم فضل الله، وإيماني بأن الإنسان يستطيع أن يحقق أحلامه في الحياة بإرادته وإصراراه، كما فعل فهمي عمر الذى التحق بالإذاعة بدون واسطة أو محسوبية أو مجاملة، وحقق بموهبته وبجده وإصراره، ما جعله رائدا فوق الجميع، وبالطبع أنا هنا لا أعقد مقارنة بيني وبين الأستاذ، فقد قلت يوما للإعلامي الكبير الصديق وليد مهران:«إننا لو اجتمعنا جميعا نحن أبناء الرئيسية بل ومن الصعيد كله، من الصحفين والإعلاميين لن نحقق ولو بعضا يسيرا مما حققه الأستاذ، فقد وصل إلينا، لكننا لن نصل إليه»، إنما المقصود هنا هو كيف حولت جملة واحدة من الأستاذ، حياة شخص ولو كان شخصا متواضعا مثلى.
كما أن كلمات الأستاذ شكلت ملمحا من مواقفي، حتى أنني أحيانا كثيرة كنت لا أرد على اتهامات وهى شائعة في وسطنا الصحفي والإعلامي، قائلا لنفسي:« كيف أرد على الصغائر، وأنا أحمل شهادة رجل عظيم».
لكن الأستاذ صاحب تأثير كبير ليس على شخص أو جماعة، بل على أمة بأسرها، وإذا كان يحق لأسرته وعائلته الهمامية خاصة و الهوارة عامة الفخر به، وهو حق لهم بل واجب عليهم الاعتزاز بقائدهم وزعيمهم، إلا أنى لا أفخر به لهذا السبب، فلا توجد صلة دم أو قربة من قريب أو بعيد بيني وبين الأستاذ، لكن هناك صلة نفسية وفكرية وثقافية كبرى، هي نفسها الصلة التي تربط بين الأستاذ والملايين من أبناء الأمة المصرية والعربية وكل الناطقين بالعربية، الذين استمعوا إليه وتعلموا منه، وتأثروا به من المحيط إلى الخليج، فقد تجاوز الرجل في مكانته وقيمته وتأثيره الحيز المكاني والزماني الضيق، إلى ما هو اكثر رحابة وامتدادا وبقاءا.
يعتقد كثيرون أن بدايات شهرة فهمى عمر الإذاعية جاءت من الرياضة، ومن وصفه غير المسبوق لمباريات كرة القدم، وهذا غير حقيقي على إطلاقه وفى امتداده، فأدوار وآثار فهمى عمر السياسية وغيرها من المجالات تفوق ذلك بكثير، فسياسيا ارتبط المذيع الشاب بثورة يوليو 1952، ليكون الشاهد الأول على بيانها الأول، متخذا موقفا وطنيا حاسما وواضحا، بدون حسابات وفى الوقت الحرج الأشد خطورة، خطورة عدم ضمان نتيجة أى موقف خاصة في أمر هائل التأثير والأثر كثورة يوليو.
ولو فشلت حركة الضباط الأحرار، لكان فهمي عمر من أوائل المدنيين الذين كانوا سيذهبون وراء الشمس، وفي أقل تقدير كان سيقضى على مسيرته المهنية في بواكيرها.
وهو ما تخذه فهمي عمر في ثورة يونيو وما قبلها وبعدها، في انحيازه الواضح الحاسم للدولة المصرية والحفاظ على موروثها الحضاري وهويتها التاريخية، ضد كل من رأى في أقدم دولة في العالم ولاية، وفى أقدم شعب على وجه الأرض تابعا، لمن أرادوا اختصار الدين في جماعة، والدنيا في مرشد.
وبين الثورتين يوليو ويونيو، تعددت مواقفه الوطنية وهى أكثر من أن تحصى هنا، وربما من اللافت، الذى لم يلتفت إليه كثيرون، أن يوم رحيل فهمي عمر 25 فبراير 2026، يوافق ذكرى أحداث الأمن المركزي 25فبراير 1986 وهى من الأحداث القاسية التي كادت تأكل الأخضر واليابس وترجع بنا للوراء سنوات طوال، وفى تلك الأحداث كان صوت فهمى عمر المذيع ورئيس الإذاعة المصرية يطمئن الشعب المصري كله على دولته، ويشد على يد الدولة في موقف حالك مما جعله يتجاوز دوره الإعلامي إلى دور رجل الدولة.
ومثلما كان رجل دولة من مستوى رفيع، كان نائبا برلمانيا يمثل صوت أغلبية الشعب المصري خاصة في الصعيد، وفى مواقفه النيابية كلها، ستجد النائب الذى يجمع بين مصالح الشعب ومرتكزات الدولة دون خلل أو انحياز، ودون هدف سوى المصلحة العامة، ولو أراد نائب شاب أن يتعلم كيف تكون هذه المسئولية، فعليه فقط أن يرجع إلى مضابط البرلمان ويبحث عن النائب فهمي عمر.
ورغم أن الأستاذ يعتز بعائلته وقبيلته عميق الاعتزاز، إلا أن ذلك الاعتزاز لم يتحول إلى عصبية أو قبلية ممجوجة، حيث كان عونا للجميع دون تفرقة مذ كان مذيعا شابا ثم رئيسا للإذاعة ثم نائبا برلمانيا وحتى أخريات حياته.
وإلى ذلك فقد كان واحدا من رموز الوحدة الوطنية بل من أسسها خاصة في الصعيد، والمحبة التي ربطت بينه وبين الأقباط واضحة في كثير من المواقف التي قد نراها في كثير من مقاطع الفيديو التي جمعت بينه وبين رموز الأقباط في نجع حمادي وقنا والصعيد.
وفوق ذلك كله، كان فهمي عمر رمزا حقيقيا للمسلم المؤمن بقضاء الله وقدره والصبر على محنه، وشكر منحه، ونموذجا للمثقف المستنير الذى لا تتعارض مواقفه مع بصيرته واستنارته، حتى في أحلك المواقف وأشدها إيلاما، وهو أمر نادر الحدوث بين مثقفينا المصريين والعرب.
رحم الله الأستاذ فهمي عمر، الذى رحل عن عالمنا في هذه الأيام المباركة، أيام المغفرة والرحمة والعتق من النار.
شهادة واجبة بعد المقال:
قلت في المقال أعلاه أن قريتنا قرية الرئيسية، تتميز بسبقها في إدراك قيمة التعليم والتعلم، ما جعلها مميزة بمستواها التعليمي والثقافي، وبالطبع فإن الفضل في ذلك لكباراتها الين سعوا لنشر التعليم بين أبناء القرية بداية من مطلع القرن الماضي.
من بين هؤلاء الرجال الناظر الحاج سليم عبد الله رحمه الله، وكان رجلا قويا، شديدا، صعب المراس، وقبل أن يظهر أو يشيع مصطلح التنمية البشرية بسنوات طوال، كان الحاج سليم يطبق المبدأ بشدة وقوة، وكأنه رسالته الخاصة، فقد كان يحض على التعليم، ويدعو الأهالي إلى تعليم أبناءهم وبناتهم، ومثلما نقرأ في الكتب عن الحكام الذين كانوا يتفقدون رعيتهم، كان يتفقد الغائبين عن الدراسة، ويذهب إلى بيوت أولياء الأمور يسأل لماذا غاب هذا الطفل، ولماذا لم تأت هذه الطفلة؟ ولا يهدأ له بال حتى يعود الجميع للمدرسة، وبذلك نجا كثيرون من التسرب الدراسي ومن الجهل والتخلف، وبذلك أسهم في تحرير عقول وتطوير أنفس، وحتى الآن لم أعرف ولم أسمع برجل تصدق بمثل هذه «الصدقة الحية».
اقرأ أيضاًمباراة كرة قدم في نهار رمضان.. الإذاعي فهمي عمر يروي ذكرياته مع نصر أكتوبر
عزاء الإعلامي الكبير فهمي عمر الثلاثاء المقبل بمسجد الشرطة بالشيخ زايد
رحيل الإعلامي الكبير فهمي عمر بعد أن جمع رموز قنا على مائدة واحدة قبل وفاته بأيام «صور»
