من سراديب الأسفلت إلى مواجهة شارون شهادة اللواء ماجد شحاتة في ذكرى العاشر من رمضان حيث اندلعت حرب أكتوبر عام 1973 بين مصر وإسرائيل بهدف استعادة شبه جزيرة سيناء التي احتلتها إسرائيل عام 1967، وشكلت واحدة من أبرز الحروب في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، حيث نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، مغيرةً موازين القوى في المنطقة.
وفي ذكرى العاشر من رمضان، تتجدد في الذاكرة الوطنية بطولات رجال آمنوا بأن الأرض لا تُستعاد إلا بالتضحية.
وفي حوار شيق أستمتعت به مع اللواء ماجد شحاتة، أحد أبطال الكتيبة 139 صاعقة وقائد السرية الثالثة من المجموعة 139 خلال الحرب، وكشف تفاصيل دقيقة تمتد من سنوات القسوة في حرب الاستنزاف، مرورًا بلحظات تعطيل احتياطيات العدو، وصولًا إلى المواجهة المباشرة مع قوات أريئيل شارون في معركة أبو عطوة.
احتياطي القيادة العامة.. قوة تُدفع إلى أخطر النقاط
أكد لي اللواء ماجد شحاتة أن المجموعة 139 صاعقة كانت تمثل احتياطي القيادة العامة، وتضم أربع كتائب مدربة على تنفيذ المهام الخاصة في مختلف البيئات القتالية بحرًا وبرًا، في المناطق الجبلية والزراعية والشجرية، وتُكلف بالتحرك إلى أكثر مناطق القتال خطورة.
وأوضح أن توزيع المهام تم بدقة مع انطلاق معركة السادس من أكتوبر 1973، ضمن خطة تستهدف تعطيل احتياطيات العدو ومنعه من الوصول سريعًا إلى قناة السويس لمجابهة القوات المصرية التي كانت تثبت مواقعها شرق القناة.
6 أكتوبر.. عشر ساعات صنعت الفارق
روى اللواء شحاتة أن الكتيبة 183 نُقلت يوم 6 أكتوبر في تمام الساعة 2:10 ظهرًا إلى عمق 50 كيلومترًا شرق القناة، بهدف اعتراض الاحتياطيات المدرعة المعادية.
وأكد اللواء ماجد شحاتة أن الكتيبة نجحت في تعطيل تقدم العدو لمدة 8 ساعات كاملة، تضاف إليها ساعتان تعطل خلالهما التحرك، ليصل إجمالي زمن التعطيل إلى 10 ساعات حاسمة، منحت القوات المصرية فرصة تثبيت رؤوس الكباري وتأمين العبور.
وأشار إلى أن الكتيبة دفعت ثمنًا باهظًا، إذ استشهد أكثر من 145 مقاتلًا منها، ولم يعد منها حيًا إلا القليل.
كما أوضح أن الكتيبة الثانية تمركزت على المحور الشمالي، واستطاعت إيقاف تقدم العدو في وسط سيناء لمدة 4 ساعات، في واحدة من أهم محطات تعطيل التحرك المعادي.
معركة أبو عطوة.. مواجهة مع تشكيلات شارون
ومن أصعب اللحظات التي استعادها اللواء ماجد شحاتة كانت معركة أبو عطوة، قرب الإسماعيلية، حيث واجهت الكتيبة 139 صاعقة قوات إسرائيلية متقدمة ضمن التشكيلات التي كان يقودها أريئيل شارون.
ورغم فارق الإمكانيات والتسليح، نصبت الكتيبة عددًا من الأكمنة المحكمة ضد قوات المظلات المتقدمة، وتمكنت من تدمير ثلاث عربات مدرعة وعدد من الدبابات الحديثة والمتطورة.
وأشار إلى أن متحف الدبابات في أبو عطوة لا يزال شاهدًا ماديًا على تلك المواجهات العنيفة التي شكلت محطة بارزة في صدّ الهجوم المعادي.
حرب الاستنزاف.. حياة تحت الأرض وقصف يومي
واكمل اللواء ماجد شحاتة حديثة بأن نصر أكتوبر لم يكن وليد لحظة، بل سبقته سنوات قاسية من حرب الاستنزاف.
وأوضح أنهم كانوا يتمركزون في سراديب بدائية تحت الطريق الأسفلتي الموازي لقناة السويس، بعد تفكيك أجزاء من الأسفلت وفلنكات السكة الحديد بخط الإسماعيلية – السويس، لتجهيز أماكن للنوم والاحتماء من القصف.
الظروف المعيشية كانت شديدة القسوة:
نقص دائم في المياه.
شح في الطعام.
صعوبة استخدام دورات المياه.
قصف جوي شبه يومي.
كما أشار إلى أنهم كانوا يتعرضون لهجمات مكثفة تصل إلى 30- 35 طائرة فانتوم وسكاي هوك يوميًا، وكانت القنابل تُحدث حفرًا يصل قطرها إلى نحو 12 مترًا تمتلئ بالمياه، وأحيانًا بالأسماك والقراميط، ما كان يدفع الجنود إلى اصطيادها للبقاء على قيد الحياة.
السادات في الجبهة.. عقيدة قتال
توقف اللواء ماجد شحاتة عند زيارات الرئيس الراحل أنور السادات للجبهة، مؤكدًا لي أن وجوده بين الجنود لم يكن رمزيًا، بل كان دفعة معنوية حقيقية.
وقال إن عبارته الشهيرة: «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة» تحولت إلى عقيدة راسخة في وجدان المقاتلين، عززت إيمانهم بأن قرار الحرب كان قرار استعادة كرامة وطن.
19 أكتوبر.. صائمون ارتقوا شهداء
وفي واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا، روى اللواء ماجد شحاتة تفاصيل يوم 19 أكتوبر 1973، حين كانت وحدات الصاعقة تستعد لمهمة تتطلب السير لمسافة قد تصل إلى 50 كيلومترًا ذهابًا و50 كيلومترًا عودة داخل نطاق الاشتباكات.
حيث تعمد اللواء ماجد شحاتة الإفطار أمام الجنود وأصدر أمرًا مباشرًا بالإفطار حفاظًا على قدرتهم القتالية، موضحًا أن الإفطار في القتال جائز في حالة الحرب وفقا لاباحة الأزهر الشريف إفطار الجنود في حاله الحرب
غير أن أربعة من الجنود أصروا على الصيام، واستشهد ثلاثة منهم وهم صائمون في أرض المعركة.
وأضاف أنه عندما حمل جثامينهم، ورغم طبيعة الأرض السبخية، لاحظ أمرًا استثنائيًا ظل محفورًا في ذاكرته:
حيث «كانت تفوح منهم رائحة مسك وعنبر».
شهادة للتاريخ
في ختام حديثه، أوضح اللواء ماجد شحاتة أن ما تحقق في أكتوبر كان ثمرة سنوات من الصبر والتخطيط والتضحية، وأن رجال الصاعقة لم يقاتلوا فقط بالسلاح، بل بعقيدة راسخة وإيمان عميق بعدالة قضيتهم.
وتبقى شهادته توثيقًا ميدانيًا نادرًا لبطولات قوات الصاعقة المصرية من سراديب تحت الأسفلت إلى ميادين المواجهة المباشرة في ملحمة ستظل خالدة في سجل العسكرية المصرية.
اقرأ أيضاً«لا عودة إلا بالانتصار على اليهود».. كلمات خالدة تروي ملحمة نصر أكتوبر المجيد
شيخ الأزهر يهنئ الرئيس السيسي والقوات المسلحة بذكرى انتصار العاشر من رمضان
ذكرى العاشر من رمضان.. «حقائق وأسرار» يعرض الفيلم التسجيلي: «مدن على خط النار»
