مصر اللي بنحبها – الأسبوع

مصر اللي بنحبها – الأسبوع

في زمن تتكاثر فيه الضغوط، وتعلو فيه الأصوات، وتضيق فيه مساحات الفهم الهادئ، يصبح من السهل أن تختزل الدول في مشهد، والشعوب في تغريدة، والتاريخ في موقف عابر.. لكن مصر، تحديدا، لا تقرأ بهذه الطريقة… ومصر لا تختصر، ولا تفسر بردة فعل، ولا بجملة في خطبة عيد، ولا تحاكم بلحظة سياسية واحدة وإن كانت في غاية الحساسية.

مصر بلد كبير… ليس بحجمه الجغرافي فقط، بل بامتداده التاريخي، وبثقل حضارته، وبتنوع نسيجه الإنساني، من يمش في شوارع القاهرة وحدها، يدرك هذا المعنى… بين مصر الجديدة والمهندسين، بين وسط البلد وأكتوبر، بين التجمع الخامس وأحياء الجيزة، ستجد فروقات في التفاصيل، في المزاج، في اللغة اليومية، في طريقة النظر إلى الأشياء.. فكيف إذا امتد النظر إلى الإسكندرية، والصعيد، والساحل، وسيناء؟ نحن أمام بلد متعدد الطبقات، متنوع في ملامحه، غني بتناقضاته… لكنه متماسك في جوهره.

من يعرف مصر عن قرب، يعرف أن هذا البلد عاش تحولات كبرى عبر تاريخه.. من دولة فرعونية عريقة، إلى قلب العالم الإسلامي، إلى مركز للحركة القومية العربية، إلى لاعب أساسي في معادلات الإقليم الحديثة، إلى هدف رئيسي فيما يسمى بالربيع العربي! هذا التاريخ ترك بصمته على الشخصية المصرية، فجعلها مزيجا من الواقعية والاعتزاز، من البساطة والعمق، من الصبر الطويل والانفجار المفاجئ.

ولهذا، فإن قراءة الموقف المصري شعبيا أو رسميا تتطلب فهم هذا السياق، لا الاكتفاء بمشاهد عابرة، خصوصا في زمن وسائل التواصل، حيث تختلط الأصوات، وتتصدر الأقلية الصاخبة على حساب الأغلبية الهادئة والعاقلة.

من تجربتي وعلاقتي الشخصية، التي لم تنقطع مع مصر وشعبها منذ عقود أقول، إن المصري الحقيقي، في عمقه، إنسان محب لأمته، غيور على محيطه العربي والإسلامي، لا يتأخر حين تختبر المواقف الكبرى، قد تختلف الآراء، وقد تتباين القراءات، لكن في اللحظات المفصلية، يظهر المعدن الحقيقي.

رأينا ذلك في مواقف تاريخية لا تُنسى، من دعم القضايا العربية، ورأيناه أيضا في التفاصيل الإنسانية اليومية، في بساطة التعامل، في الكرم الفطري، في القدرة العجيبة على احتواء الآخر، وفي روح الدعابة التي تقاوم أصعب الظروف.

وفي ظل التوترات الحالية التي تعيشها المنطقة، والاعتداءات الإيرانية التي طالت دول الخليج، من المهم أن نعيد قراءة المشهد بهدوء، مصر ليست حسابا على منصة رقمية، ولا تعليقا عابرا في فيسبوك أو منصة x أو تيكتوك، ولا رأيا متطرفا أو سطحيا هنا أو هناك، مصر دولة مؤسسات، وشعبها أوسع من أن يختزل في صوت واحد.

بل إن هذا التنوع الأيديولوجي -الديني، والقومي، والليبرالي، وغيره- هو انعكاس طبيعي لحجم هذا البلد وعمق تجربته، ومن الخطأ أن نراه تناقضا، بينما هو في حقيقته تعبير عن، حيوية مجتمع حي، يفكر، ويجادل، ويختلف، لكنه لا يفقد بوصلته الكبرى.

ومن المشاهد التي لا تنسى في مصر، تلك اللحظات البسيطة التي تختصر روحها، سائق تاكسي يتحدث في السياسة وكأنه خبير استراتيجي، بائع بسيط يدافع عن قضايا الأمة بحماسة صادقة وكأنه جندي في الميدان، شاب يضحك رغم ضغوط الحياة، وأسرة تفتح بيتها للضيف وكأنه واحد منها… هذه ليست تفاصيل هامشية بل هي جوهر الشخصية المصرية.

لذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نقول، مصر ابعد من الجدل، وأعمق من الانفعال، وأعرق من أن تُختزل، ومن يحب مصر يعرف أن العلاقة معها ليست علاقة موقف، بل علاقة فهم واحترام لتاريخ طويل وشعب لا يشبه إلا نفسه.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم وهي أن مصر، بكل تنوعها، كانت وستظل ركيزة أساسية في توازن المنطقة، وشعبها -رغم كل الظروف- يبقى وفيا لهويته، حاضرا في قضايا أمته، وصادقًا في مشاعره… حتى وإن اختلفت طرق التعبير.

اقرأ أيضاًمصر – الخليج.. حين يتكلم التاريخ يصمت المغردون

المرأة العربية في زمن الحرب

بين هيروشيما وطهران: هل يقترب العالم من لحظة النووي في الشرق الأوسط؟

Exit mobile version