د. طارق هلال
مع انتهاء الهدنة، لا يبدو المشهد متجهاً نحو حرب شاملة بقدر ما يتحرك نحو مرحلة أكثر تعقيداً هي مرحلة «إدارة الحافة» وهنا، يصبح مضيق هرمز ليس مجرد مصر ماني، بل مركز ثقل تتقاطع عنده الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتعاد عبره صياغة موازين القوى في الإقليم.
اللافت في هذه المرحلة هو التحول النسبي في اللهجة الإيرانية نبرة أكثر صرامة في التصريحات، تقابلها مرونة حذرة في التحركات غير المعلنة. هذا التناقض الظاهري يعكس في الحقيقة استراتيجية واضحة، رفع سقف الضغط دون كسر قواعد اللعبة. فطهران لا تسعى إلى مواجهة مفتوحة، لكنها أيضاً لا تقبل بالعودة إلى نقطة الضعف. إنها تحاول فرض معادلة جديدة قوامها أن أمن الملاحة في المضيق لا ينفصل عن أمنها الاقتصادي.
في قلب هذه المعادلة، يبرز دور الحرس الثوري الإيراني باعتباره اللاعب الأكثر تأثيرا. فهذه القوة لا تتعامل مع هرمز كجبهة حرب تقليدية، بل كاداة تفاوض تدار بدقة. لا إغلاق كامل للمضيق، لأن ذلك يعني حرباً لا يمكن السيطرة عليها، ولا تهدئة كاملة تفقد إيران أوراقها، بل حالة مستمرة من التوتر المحدود، كافية لإبقاء العالم في حالة ترقب، ودفعه في الوقت ذاته نحو البحث عن تسوية.
في الخلفية، تتحرك أطراف إقليمية بهدوء. زيارة قائد الجيش الباكستاني تعكس وجود قنوات اتصال غير معلنة، قد تهدف إلى تخفيف التوتر أو نقل رسائل بين الأطراف. أما الحديث عن نقل اليورانيوم إلى باكستان، فيبقى ضمن نطاق التكهنات الضعيفة، نظراً
لما يحمله من مخاطر تصعيد دولي، فضلا عن تعقيد علاقات المنطقة، خاصة مع دولة مثل الهند التي لن تنظر إلى مثل هذا السيناريو بعين القبول.
على الجانب الآخر، تراقب إسرائيل المشهد بدقة، وترى في التوتر فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها وتحقيق بعض أهدافها الاستراتيجية لكنها تدرك في الوقت نفسه أن انفجار الوضع في هرمز قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها، لذلك تميل إلى استثمار اللحظة دون دفعها نحو الانفجار.
أما حزب الله، فيبقى جزءاً من معادلة الردع غير المباشر، يتحرك ضمن ما يمكن تسميته ” الخط الأصفر “. دعم محسوب دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، بما يحافظ على التوازن الدقيق بين الضغط والانفجار.
وسط كل ذلك، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تراجعت إلى الخلف، لكنها لم تختف. إنها تتأثر فقط بإعادة ترتيب الأولويات الدولية، حيث تتقدم ملفات الطاقة والنووي، دون أن يعني ذلك نهاية القضية، التي تظل حاضرة وقابلة للعودة إلى الواجهة في أي لحظة.
وفي موازاة هذا المشهد، يتصاعد الضغط الدولي للحفاظ على حرية الملاحة في المضيق، مع دعوات جماعية لعدم تعطيله، إدراكاً لما قد يسببه ذلك من اضطراب عالمي واسع فهرمز لم يعد شأنا إقليميا، بل أصبح مسألة تمس استقرار الاقتصاد العالمي بأكمله.
وهنا يتضح الرابط الأهم، الاقتصاد العالمي بات رهينة لهذا التوازن الهش. فاستقرار المضيق قد يفتح الباب أمام تعاف تدريجي، بينما استمرار التوتر يبقي العالم في حالة ” اقتصاد القلق “، حيث تتردد الاستثمارات وتتقلب الأسواق. أما التصعيد، فسيعني ببساطة عودة الأزمات إلى الواجهة بقوة.
وهنا يطرح السؤال نفسه هل هرمز فخ أم ورقة ضغط أم الورقة الأخيرة؟
الحقيقة أنه يجمع بين الثلاثة. فهو فخ محتمل، لأن أي خطأ في الحسابات قد يحول التوتر المحدود إلى مواجهة واسعة وهو ورقة ضغط فعالة، لأن تأثيره على أسواق الطاقة فوري وعميق. لكنه ليس الورقة الأخيرة، إذ ما تزال لدى إيران أدوات أخرى في الإقليم ومع ذلك، يبقى هرمز الورقة الأكثر حساسية والأسرع تأثيراً على المستوى الدولي.
وقد تبدو بعض القرارات متضاربة بين إشارات تهدئة وتحركات تصعيدية متزامنة سواء في إيران أو الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بملف مضيق هرمز أو احتمالية تمديد وقف اطلاق النار. إلا أن هذا التباين لا يعكس حالة “لا منطق”، بقدر ما يعكس تعدد مراكز اتخاذ القرار داخل كل طرف، حيث تميل الدوائر السياسية إلى التهدئة بينما تدفع المؤسسات العسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني نحو التصعيد المحسوب. ونتيجة لذلك، تتداخل الرسائل بين الضغط والانفراج في إطار ما يعرف ب التفاوض تحت الضغط”، حيث لا يستخدم التصعيد لنقض التهدئة، بل لتحسين شروطها وفرض توازنات أكثر دقة على طاولة المفاوضات.
وفي هذا السياق، يظل سيناريو الحرب الأعلى صوتا لكنه الأقل احتمالاً. فالمواجهة لن تبدأ بقرار مباشر، بل قد تنزلق إليها الأطراف نتيجة احتكاك محدود أو خطا في الحسابات. ورغم امتلاك إيران أدوات ردع غير تقليدية، فإن كلفة الحرب ستكون باهظة على الجميع، إذ يعني إغلاق المضيق تدخلاً دولياً واسعاً وقفزة حادة في أسعار النفط واضطراباً عالمياً يصعب احتواؤه.
في المقابل، يبرز سيناريو الاتفاق كخيار عقلاني، لكنه بطبيعته هش. فالتفاهم المحتمل لن يكون حلاً جذرياً، بل ترتيباً مرحلياً يقوم على تبادل التنازلات: تخفيف للعقوبات مقابل تهدئة وضمان نسبي لأمن الملاحة، مع عودة جزئية للنفط الإيراني إلى الأسواق بما يخفف الضغوط الاقتصادية دون إنهاء جذور الأزمة.
اما سيناريو الجمود، فهو الأقل لفتا للانتباه لكنه الأكثر تأثيرا على المدى الطويل. حيث يستمر التوتر عند مستوى منخفض دون انفجار أو استقرار، فتتحرك الملاحة بحذر، وترتفع التكاليف، وتبقى الأسواق في حالة ترقب دائم، ما يكرس حالة “اقتصاد القلق” ويؤجل أي تعاف حقيقي.
بهذا المعنى، لا يقف هرمز على حافة خيار واحد، بل بين ثلاث مسارات متداخلة، تدار جميعها بمنطق واحد هو تجنب الانفجار دون التخلي عن الضغط.
وختاما، لا يبدو أن المنطقة تتجه نحو حسم سريع، بل نحو مرحلة طويلة من إدارة التوازنات الدقيقة هرمز لن يغلق بالكامل، ولن يترك مفتوحاً بلا شروط بل سيظل أداة تستخدم لإعادة رسم قواعد اللعبة، فمضيق هرمز اليوم ليس مجرد ممر للطاقة بل ساحة تفاوض مفتوحة، تدار فيها السياسة بلغة السفن، وتكتب نتائجها بأسعار النفط وفي لحظة تبدو فيها كل الخيارات مفتوحة، يبقى السؤال الحقيقي من ينجح في التحكم بإيقاع هرمز.. .ومن يفرض شروط المرحلة القادمة؟.
اقرأ أيضاًمصطفى بكري: خطاب ترامب بشأن إيران موجه للداخل الأمريكي وطهران تفرض سيطرتها على هرمز
من «النووي» إلى مضيق هرمز.. ملفات قد تعرقل نجاح المفاوضات بين واشنطن وطهران
الشرق الأوسط بين المهلة والهدنة.. استراحة محارب أم رواية صراع مفتوح؟
