في ردهات المحاكم العائلية، حيث تنهار آخر جدران الخصوصية الإنسانية، يقف طفل لا يتجاوز عمره عقداً من السنين، يتأرجح بين أب يرى في الأم عدوًا وبين أم ترى في الأب خصمًا، فيغدو هو الابن الضائع في متاهة لا مخرج منها. لا يعي ما معنى «حكم تمييز» أو «إجراءات تنفيذ»، لكنه يدرك، ببراءةٍ موجوعة، أن ما يحيط به ليس عابراً، وأن قلبه الصغير بات رهينة حربٍ لا تشبه الطفولة، بل تشبه قلوباً أقستها الخصومة، وأرضاً جدباء لا تنبت فيها رحمة.
حين يتصدّع ميثاق الزواج، لا تقف المأساة عند حدود الفراق، بل تبدأ أشدّ صورها قسوة حين تمتد إلى الأطفال. هناك، في دهاليز تلك القاعات الباردة، تتكدس آلاف الملفات، وخلف كل قضية تقف طفولةٌ مهددة، وكرامةٌ صغيرة ترتجف، وطفلٌ ينتظر أبًا لا يحتاج إلى أمرٍ قضائي ليعرف واجبه، وأماً لا تجعله سلاحاً في معركةٍ لم يخترها. عندها يصبح سكن الصغار موضعَ نزاع، وتغدو النفقة، «وهي حقهم الأصيل»، رهينةَ الأحكام والإجراءات، فيما توصد المدارس أبوابها في وجوههم لتعثر سداد الرسوم، لا لذنبٍ اقترفوه، بل لأن كباراً استغرقتهم مراراتهم حتى نسوا أن وراء كل صحيفة دعوى عينين صغيرتين لا تفهمان معنى التأجيل، لكنهما تدركان، في وجعٍ مبكر، أن أبسط احتياجاتهما قد تنتظر حكماً لا رحمة.
والموجع حقاً أن يرتدّ بعض الآباء بعد الطلاق عن فطرتهم، فيتبدل موقفهم من نفقةٍ كانت بالأمس واجبًا بديهيًا لا يحتاج إلى تذكير، ويغدو الابن نفسه موضع جدال، وكأن عقد الزواج، حين انحلّ، انحلت معه معاني الأبوة.
أين ذهبت تلك الفطرة التي كانت تستنهض قلبه قبل أن ينطق الطفل بحاجته؟ وكيف صار الابن فجأة، في نظره، بعصمة أمّه وحدها، وكأن الدم قد تبدلت فصيلته بتبدل صفة المرأة؟ إن هذا ليس مجرد حرمانٍ لامرأة، بل قسوةٌ تقع على أطفالٍ ما تزال صورة الأب في وجدانهم أرفع من أن تقترن بالخذلان. وكيف يهدأ ضمير رجلٍ يحبس النفقة اليوم بعقلية من ينازع خصماً لا أماً لأبنائه، فيدفعها إلى التنقل بين دوائر القضاء طلباً لحقٍّ كان الأولى أن يُؤدى بضميرٍ قبل أن يُنتزع بحكم، ثم يقف في بهو المحكمة متقمصاً هيئة المعسر، مدعياً الإفلاس، متذرعاً بثقل الديون، كأن الضيق لم يعرف طريقه إليه إلا حين صار الواجب امتحاناً؟ والحقيقة أن المنتقص هنا ليس حقَّ امرأة، بل حقَّ طفل يحمل اسمه وينتظر منه الرحمة قبل المال.
يا أيها الرجال، النفقة ليست منّة، ولا غرامة تدفع لخصم، بل هي الاختبار الأخلاقي الذي يفضح المعادن: من يبقى شريفاً حين يغادر الحب، ومن يتحول إلى أسير الانتقام. فالطفل لا يفقه تفاصيل الدفوع القانونية، لكنه يدرك جيداً معنى أن يبقى محتاجاً بينما والده يتظاهر بالإفلاس في أروقة المحاكم. فلا تجعلوا القانون ساتراً للانتقام. فالرجل الحق ليس من يشتدّ في الخصومة، بل من يسمو قلبه عند الغضب.
ولكي يكتمل الإنصاف، فالقسوة ليست حكراً على طرفٍ واحد، فثمّة أمٌّ أيضًا قد تستغرقها الخصومة حتى تجعل الأبناء رهائن في معركةٍ لم يختاروها، لا تريد حقاً لأطفالها بقدر ما تريد أن تنتقم من زوجها السابق، فتطيل أمد النزاع، وتحوّل المحكمة إلى ساحة استنزاف، وتجعل الأبناء أدوات ضغطٍ لا أماناتٍ يجب صونها. والحقيقة الثابتة أن الأطفال لا يحتاجون إلى أبٍ مهزوم، ولا إلى أمٍّ منتصرة، بل إلى أبوين يترفعان عن جراحهما حين يتعلق الأمر بمستقبلهم. فالأبناء أمانة، لا وسيلة ضغط، ولا ساحة لتصفية الحساب.
أيها الأب، أيتها الأم، مهما اشتدّ بينكما الألم، ومهما انحاز القانون إلى أحدكما، فتذكرا أنكما أبٌ وأمّ قبل أن تكونا خصمين. فهذا الطفل الذي ينام بين جدرانٍ لم يخترها، ويصحو على غيابٍ لا يفهمه، ويحمل إلى مدرسته قلبًا أثقلته خصومات الكبار، لم يختر الفراق ولا المحاكم ولا أن يكون ساحةً لحربٍ لا ذنب له فيها. كل ما فعله أنه وُلد منكما، فصار أمانةً في أعناقكما، ومسؤوليةً لا تسقطها الخصومة ولا يؤجلها الغضب.
فاتقيا الله في أولادكما، ولا تُنزِلا خصوماتكما على موائدهم، ولا على دفاترهم، ولا على ما ينبغي أن يبقى في قلوبهم من طمأنينة. واعلما أن النفقة لا تُدفع لعدو، بل تُؤدى لحقٍّ ثابت في الأعناق. فالخصومات ترحل، أما الأبناء فيبقون: إمّا دعاءً يرفعكم، وإمّا وجعاً يشهد عليكم. فالطفولة أمانة، والأمانة لا تضيع عند الله، والسؤال عنها عسير.
اقرأ أيضاً«رئيس محكمة الأسرة سابقًا» تطالب بتفعيل النفقة المؤقتة فورًا «فيديو»
خالد الجندي: الزواج العرفي مرفوض اجتماعيًا ولا تقبله الأسر المحترمة
أسباب تعليق الخدمات الحكومية بسبب «النفقة» وكيفية استردادها.. «الخطوات والمستندات»









