في ملف القضية رقم 7449 لسنة 2022 جنايات النزهة، المقيدة برقم 806 لسنة 2022 كلي شرق القاهرة، تكشف التحقيقات عن بنية تنظيمية إخوانية مالية معقدة تتجاوز حدود الوقائع الفردية، وتعيد رسم ملامح نمط متكرر لإدارة التحويلات وتدوير الأموال خارج المنظومة المصرفية الرسمية. ووفق ما ورد في أقوال المتهمين وشهود الوقائع والمبالغ المضبوطة، لم تكن تلك التحركات عارضة أو منفصلة، وإنما جاءت ضمن منظومة متشابكة لتأمين الموارد المالية وتوجيهها لصالح عناصر التنظيم، بما يعكس وجود شبكة تتحرك بصورة منظمة في سياق استهداف مُعلن للاقتصاد المصري ولإغراق الوطن في دوامة من الأزمات المتتابعة.
يتصدر القيادي الإخواني الإرهابي محمود حسين قائمة المتهمين في القضية، يليه القيادي مدحت الحداد، ثم يأتي بعدهما قائمة تضم 18 متهمًا أسندت إليهم النيابة المختصة أنهم ارتكبوا جريمة من جرائم تمويل الإرهاب، بأن وفروا وجمعوا ونقلوا أموالًا لقيادات وعناصر التنظيم مع علمهم باستخدامها في ارتكاب جرائم إرهابية، وشرعوا في استثمار بعض تلك الأموال بغرض توفير التمويل للعمليات المسلحة وتوفير ملاذات آمنة للإرهابيين الهاربين.
اعترف المتهم الخامس “ح. ع” في تحقيقات النيابة العامة بأنه سبق له استلام بضائع أرسلها إليه المتهم الثالث المقيم في إحدى دول الملاذ الآمن عبر وسطاء من العاملين في أحد المطارات، مستغلًا عمله بإدارة الاتصالات والتعاقدات في إحدى شركات الطيران لتسليمها إلى أشخاص داخل البلاد.وأقر بإرساله أموالًا بالدولار الأمريكي عبر ذات الوسطاء إلى المتهم الثالث، بلغ إجماليها تسعين ألف دولار. وأكد أنه عندما استلم بضاعة أرسلها إليه المتهم الثالث لحين تحديد شخص يستلمها، تبين احتواؤها على جوازي سفر، وأوضح أن المبالغ المالية الأجنبية المضبوطة بحوزته من تلك المزمع تهريبها إلى المتهم الثالث خارج البلاد.
وأقر المتهم السادس “ع. م” بقيامه بتهريب أموال بالعملة الأجنبية لشقيقه توفر له الملاذ الآمن، وتم تسليم بعضها لقيادات الجماعة في إحدى الدول، واستعان في تهريب الأموال بالمتهم الثالث، حيث توسّط المتهمان السابع والثامن في تسليمها لأشخاص في المطار حددهم المتهم الثالث، وبلغ إجمالي المبالغ المهربة إلى إحدى الدول خلال الفترة من 2015 وحتى 2018 قرابة أربعين ألف دولار أمريكي، منها خمسة وثلاثون ألفًا جرى تجميعها من المشاركين في التجمهرات، بينما تكفل هو بتوفير الباقي، فضلًا عن اضطلاع المتهمين الثالث والرابع بتهريب أموال بالعملات الأجنبية بذات الكيفية بلغ إجماليها خلال عامي 2016 – 2017 قرابة مائتي ألف دولار أمريكي.
وفي بداية عام 2018 لجأ المتهم الرابع في سبيل تهريب الأموال خارج البلاد إلى المقاصة مع مقيمين في إحدى الدول كانوا يسعون إلى تحويل أموالهم بالعملة الأجنبية إلى داخل البلاد، حيث تسلمها منهم، وكلّف تابعيه من العاملين في المطار بتسليم مقابلها إلى ذويهم في الداخل بالعملة المصرية خارج الإطار المصرفي لتلافي الرصد الأمني، وبلغ إجمالي الأموال التي تم تهريبها بتلك الكيفية خلال عامي 2018 و2019 قرابة خمسمائة ألف دولار أمريكي. وأضاف أنه خلال عام 2018 كلفه المتهم الرابع أكثر من مرة بنقل أموال بالدولار الأمريكي بمعاونة المتهم السابع، بلغ قدرها خمسة وثلاثين ألفًا.
وكشف المتهم السادس في اعترافاته أنه اتفق مع المتهم الرابع على استثمار أموال لأعضاء الجماعة الهاربين عقاريًا في مصر بقصد تمويلهم، وتنفيذًا لذلك أرسل له المتهم الرابع عبر المتهم السابع مبلغ مائة واثنين وخمسين ألف دولار أمريكي، اشترى بها قطعة أرض في التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة بموجب توكيلات بالتصرف والإدارة، جرى توثيقها في أحد مكاتب الشهر العقاري.
أقر المتهم الرابع عشر “م. أ” بأنه تسلل عبر الحدود الجنوبية للبلاد بطريق غير مشروع، في أعقاب الحكم عليه غيابيًا في أحداث مسجد الفتح، حيث تواصل مع سوداني الجنسية لتسهيل تسلله إلى خارج البلاد هربًا من الملاحقة الأمنية والقضائية، وبتاريخ 7 أكتوبر 2017 اصطحبه الأخير إلى محافظة أسوان، ومنها تسلل عبر المناطق الصحراوية الجنوبية وصولًا إلى مدينة الخرطوم، ومكث فيها، إلى أن تم ترحيله في مايو 2018 إلى دولة ماليزيا. وفيها استعان بآخر في ختم جواز سفره بخاتم مقلد يفيد مغادرته مصر بتاريخ 16 يناير 2019، حتى يتمكن من العودة للبلاد دون الاشتباه في أمره.
وأفاد كتاب نيابة شمال القاهرة الكلية المرفق بملف القضية أن المتهم الرابع عشر قد أُحيل إلى الجنايات في القضية رقم 8615 لسنة 2013 جنايات الأزبكية بتهمة الاشتراك في تجمهر من شأنه أن يجعل السلم العام في خطر، وحُكم عليه غيابيًا بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات ومراقبة الشرطة لمدة خمس سنوات، وثبت بتقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي أن خاتم المغادرة المختوم به جواز السفر الخاص بالمتهم غير مأخوذ من قالبه الصحيح، بما يفيد تقليده.
بجلسة السبت 19 أغسطس 2023 أصدرت الدائرة الأولى بمحكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار محمد السعيد الشربيني حكمها بالسجن المؤبد على أربعة عشر متهمًا، والسجن 15 سنة لثلاثة متهمين، وعشر سنوات لثلاثة آخرين، مع إدراج المحكوم عليهم والكيان الذي يتبعونه “جماعة الإخوان” على قائمتي الكيانات الإرهابية والإرهابيين، ومصادرة الأموال والأدوات والمستندات المضبوطة.
وهكذا تتكشف الحقائق في عدد من القضايا، فيما يظل التناقض حاضرًا بين حقائق تكشفها أوراق القضايا، وأكاذيب تروجها منصات التنظيم وحلفاؤه الذين يواصلون الزعم بأن المحكوم عليهم في قضايا الإرهاب والإضرار بالاقتصاد مجرد “معارضين سياسيين” أو “سجناء رأي”، وفي مفارقة لافتة تُصرّ قيادات الجماعة الإرهابية على تسويق خطاب يتحدث عن “الإصلاح” و”الحرص على مصلحة الوطن”، متجاهلة أن محاولات العبث بالأمن المالي للدولة تمثل اعتداءً مباشرًا على قوت المواطن، وجريمة لا يمكن تبريرها بشعارات براقة.









