لعالم الاقتصاد النمساوي الشهير «جوزيف شومبيتر» عبارة شهيرة يقول فيها: «الأسواق المالية هي الجهاز العصبي للاقتصاد ومرآة لصحته»، وهو الأمر الذي يتوافق مع المقولة الاقتصادية الكلاسيكية: «البورصة هي البارومتر الذي يقيس صحة الاقتصاد».
وانطلاقًا مما سبق، تشهد البورصة المصرية منذ بداية عام 2026م حقبة استثنائية من الصعود، حيث لم تكتفِ بتحقيق مكاسب قوية فحسب، بل نجحت في كسر مستويات قياسية تاريخية لم تعهدها من قبل.
هذا الأداء الذي يوصف بـ «الذهبي» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل اقتصادية وهيكلية، حولت سوق المال المصري إلى وجهة جاذبة للاستثمارات الإقليمية والدولية.
مع حلول الربع الثاني من العام الجاري، استطاع المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية «إي جي إكس 30» تجاوز حاجز 52.000 نقطة لأول مرة في تاريخه، مدفوعًا بزيادة شهية المخاطرة لدى المستثمرين، ولم يقتصر الزخم على الأسهم القيادية فقط، بل امتد ليشمل مؤشر الشركات المتوسطة والصغيرة «إي جي إكس 70»، الذي سجل بدوره طفرات سعرية تعكس حالة التفاؤل العام في السوق المصري.
فيما يُعد الحدث الأبرز في عام 2026م هو العودة القوية للمؤسسات المالية، سواء المحلية أو الأجنبية، للسيطرة على جانب الشراء. فبعد فترات من الترقب، عادت الصناديق الاستثمارية الكبرى لضخ سيولة ضخمة، مدفوعة بما يلي:
– استقرار بيئة الاقتصاد الكلي وتراجع معدلات التضخم لمستويات مستهدفة.
– ما شهده برنامج الطروحات الحكومية من طرح حصص في شركات عملاقة بقطاعات الطاقة والخدمات اللوجستية، مما جذب استثمارات مؤسسية نوعية.
– نتائج أعمال الشركات التي حققت أرباحًا تشغيلية قوية، مما جعل مكررات الربحية للأسهم المصرية مغرية للغاية مقارنة بالأسواق الناشئة الأخرى.
ومن ناحية أخرى، قفزت قيم التداول اليومية لتتجاوز مستويات الـ 11 مليار جنيه في المتوسط، وهو ما يعكس وفرة السيولة «الكاش» داخل ردهات البورصة. ولم تأت هذه السيولة فقط من المؤسسات، بل ساهم فيها تضاعف عدد المستثمرين الأفراد بنسبة تجاوزت 200% مقارنة بالأعوام السابقة، بفضل التحول الرقمي وتطبيقات التداول السهلة التي جذبت جيل الشباب.
والأمر الجدير بالانتباه أن وصول رأس المال السوقي لمستويات تخطت 3.5 تريليون جنيه يضع البورصة المصرية في مكانة متقدمة على خريطة الاستثمار العالمي. ومع استمرار تدفق السيولة وبدء تداول أدوات مالية جديدة مثل «المشتقات»، يبدو أن الطريق لا يزال ممهدًا لمزيد من القمم التاريخية، مما يجعل من عام 2026م نقطة تحول مفصلية في تاريخ الاقتصاد المصري الحديث.
وخلاصة الأمر، أن البورصة المصرية في العام الجاري لم تعد مجرد منصة لتداول الأسهم، بل أصبحت مرآة حقيقية لتعافي الاقتصاد المصري وقدرته على جذب رؤوس الأموال المستدامة.
اقرأ أيضاًوزير الاستثمار: مصر ترحب بدراسة الفرص الاستثمارية في جنوب السودان









