هل يسقط الحلو؟ 9 ساعات ago
مقالات

أبي (٢) – الأسبوع

فقدت أبي، رحل بعد سنوات طويلة من الكد والتعب والكفاح والجهاد في سبيل أسرتنا، مشوار حياة لم يفكر خلاله في نفسه ولو مرة واحدة، لم يسع للراحة أو الاسترخاء وإنما سعى فقط من أجل راحتنا، وحينما حاولت كتابة مقالي السابق واجهت صعوبة شديدة في التحدث عنه بصيغة الماضي، حاولت لكن آلمني قلبي كثيرا، فاستعضت عن ذلك بعرض مقال الكاتبة الأمريكية Erma Bombeck عن الأب.

اليوم أحاول استجماع قواي مع تداعي جبال من الذكريات عن بابا، وكل ما بذله من جهد وتعب، وحياته التي أفناها في رعايتنا وأتساءل: هل كنت ابنة بارة به؟ هل قدّرته حق قدره؟ هل استطعت أن أنال رضاه؟

بابا حبيبي، منذ رحيل ماما عن دنيانا في يناير 2023 وأنا أشعر بزهدك في الحياة، ورغبتك في الانسحاب بعيدا عن صخبها، وميلك للعزلة، لكنك أيضا كنت تشعر بمسئوليتك تجاهنا، فحرصت على أن تتحملها كما تفعل دائما.

أوقات عصيبة مرت علينا بعد رحيلها، صار بيتنا حزينا صامتا، لم نستطع العودة إلى نمط الحياة المعتاد، وتحولت التفاصيل الحياتية البسيطة إلى مهام ثقيلة يصعب علينا القيام بها، لكننا اعتدنا وجع فراقها – وإن لم نعتد غيابها – وكل منا يجاهد ليكون سندا قويا للآخرين فتدبرنا أمرنا بشكل ما، وبدأنا في تشكيل حالة تشبه الحياة!!

خلال السنوات الثلاث حاولت أن تؤهلني لرحيلك حتى لا يتكرر ما حدث لي حينما غابت أمي، لكني أبيت الاستسلام لذلك، ورفضت تماما تقبل هذه الفكرة رغم يقيني أن الموت حق.

لقد شاء الله أن تنتهي رحلتك الدنيوية محققا لك ما دعوت به دائما: أن لا ترقد في سرير المرض، لا تحتاج للمساعدة، لا تثقل على أحد، وأن تظل في بيتك حتى النهاية، فصعدت روحك الغالية في هدوء إلى بارئها، راضية مرضية بإذن الله.

أفتقدك كثيرا يا حبيبي، بعدك صارت الحياة خاوية تماما، ورغم الوجع والاشتياق لا أقول إلا ما يرضي الله: الحمد لله في الضراء والسراء، اللهم لا اعتراض.

أشهد يا أبي أنك كنت دائما مؤمنا عابدا تقيا مصليا قواما صواما مزكيا متصدقا قانتا صادقا صابرا خاشعا طيبا خلوقا مسالما ذاكرا لله حامدا وشاكرا نعمه التي لا تعد ولا تحصى، أديت رسالتك معنا على أكمل وجه وحتى آخر لحظة في حياتك، وآن الأوان لتجد راحتك الأبدية منعما خالدا في الجنة، هذا وعد الله، ووعد الله حق.

سلام عليك يا بابا، سلام على ماما وغادة وكل الأحباب، حتى نلتقي لقاء دون فراق.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts