هل تدخل سوريا مرحلة الخرائط البديلة؟ – الأسبوع

هل تدخل سوريا مرحلة الخرائط البديلة؟ – الأسبوع

وهل أصبحت الدولة الوطنية مهددة بمشاريع النفوذ والانفصال؟

لم تعد الأزمة السورية مجرد حرب أهلية أو صراع بين سلطة ومعارضة، بل تحولت تدريجياً إلى معركة مفتوحة على الجغرافيا والسيادة وإعادة تشكيل النفوذ داخل الدولة الواحدة. والتصريحات الأخيرة الصادرة عن الزعيم الروحي لطائفة الدروز حكمت الهجري بشأن “الإدارة الذاتية” والانفصال غير القابل للتفاوض، تكشف حجم التحولات التي تضرب بنية الدولة السورية منذ سنوات.

المشهد السوري اليوم لم يعد يُدار من مركز واحد، فالجغرافيا السورية أصبحت موزعة فعلياً بين خرائط نفوذ متشابكة، شمال شرقي البلاد تحت تأثير القوى الكردية والدعم الأمريكي، وشمال غربي يخضع لتأثير تركي مباشر، بينما يتحول الجنوب السوري إلى منطقة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الحسابات الإسرائيلية مع الهواجس المحلية، في وقت تحاول فيه دمشق الحفاظ على الحد الأدنى من صورة الدولة المركزية.

والخطير في الأمر أن خطاب الانفصال لم يعد مجرد تسريبات أو سيناريوهات متداولة داخل مراكز الدراسات الغربية، بل أصبح يُطرح علناً داخل بعض المكونات السورية التي ترى أن السلطة المركزية لم تعد قادرة على توفير الأمن، أو تحقيق الشراكة السياسية، أو حتى ضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي. وهنا تتحول الجغرافيا من حدود دولة إلى مشروع سياسي مستقل، وتصبح الهوية المحلية والطائفية أكثر حضوراً من مفهوم الدولة الوطنية الجامعة.

ويمثل جنوب سوريا تحديداً عقدة جيوسياسية معقدة، فالسويداء ليست مجرد محافظة ذات أغلبية درزية، بل منطقة تماس إستراتيجية قريبة من الجولان المحتل، ما يجعلها جزءاً من حسابات الأمن الإسرائيلي المباشر. لذلك تنظر إسرائيل إلى أي فراغ أمني أو تمدد لقوى معادية قرب حدودها باعتباره تهديداً إستراتيجياً، وهو ما يفسر الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بتطورات الجنوب السوري.

في المقابل، تحاول إيران الحفاظ على نفوذها الممتد داخل سوريا، بينما تواجه دمشق أزمة مركبة، فهي من جهة تعاني إنهاكاً اقتصادياً وعسكرياً عميقاً، ومن جهة أخرى تواجه صعوبة متزايدة في إعادة فرض السيطرة الكاملة على المناطق الخارجة عن نفوذها.

والعامل الاقتصادي بدوره يلعب دوراً خطيراً في تسريع النزعات الانفصالية، فكلما تراجعت قدرة الدولة على توفير الخدمات والطاقة وفرص الحياة، اتجهت المجتمعات المحلية نحو بناء شبكاتها الخاصة للحماية والإدارة والتمويل، وهو ما يحول “الإدارة الذاتية” تدريجياً من حل مؤقت إلى واقع سياسي دائم.

ولكن على الرغم من هذا المشهد المعقد، لا تزال هناك عوامل تمنع انهيار سوريا الكامل حتى الآن، فالقوى الدولية -رغم تناقضاتها- لا تبدو مستعدة لإعلان تقسيم رسمي لسوريا، خوفاً من انتقال العدوى إلى دول الجوار، لا سيما العراق ولبنان. كما أن الذاكرة التاريخية للدولة السورية ما زالت حاضرة داخل قطاعات واسعة من المجتمع السوري، رغم كل الانقسامات.

ومع ذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في التقسيم الرسمي، بل في “التفكك الصامت”، أي بقاء سوريا موحدة على الخرائط الدولية، لكنها عملياً عبارة عن مناطق نفوذ منفصلة سياسياً وأمنياً واقتصادياً، لكل منطقة حساباتها وتحالفاتها الخاصة.

إن ما يحدث في سوريا اليوم يتجاوز حدود الأزمة الداخلية، لأنه يرتبط بمستقبل المشرق العربي بالكامل، فسقوط مفهوم الدولة المركزية في دمشق قد يفتح الباب أمام موجة إعادة تشكيل جغرافي وسياسي تمتد إلى الإقليم كله، في ظل تصاعد الهويات الفرعية وتراجع مفهوم الدولة الوطنية التقليدية.

ولهذا تبدو سوريا الآن أمام خيارين لا ثالث لهما:

إما إعادة بناء دولة وطنية جديدة تقوم على التوازن والشراكة بين المكونات كافة.

أو استمرار الانقسام التدريجي حتى تتحول البلاد إلى نموذج دائم للدولة المفككة الخاضعة لتوازنات النفوذ الإقليمي والدولي.

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

Exit mobile version