مقالات

المرأة في الإسلام «كرامة لا تبعية» – الأسبوع

تعجّبت كثيرًا وتألمت بعض الوقت، واندهشت من تلك التصريحات التي خرجت مؤخرا من بعض السيدات وهي تتحدث عن المرأة والعمل، وكأنها تعيد الزمن إلى عصور كانت تُختزل فيها المرأة، لمجرد كائن ينتظر من يُنفق عليه، فيقال ببساطة شديدة: «أهم حاجة تلاقي اللي يصرف وتقعد في البيت».

وكأن قيمة المرأة في الحياة لا تتجاوز الطعام والشراب والإنفاق، وكأن عقلها وعلمها وطموحها ورسالتها الإنسانية مجرد أشياء زائدة عن الحاجة، لا وزن لها ولا معنى.

تصريحات صادمة.. لا لأنها تهاجم العمل فقط، بل لأنها تهين فكرة الإنسان ذاته، رجلاً كان أو امرأة، فالإنسان الذي يعيش بلا هدف، بلا سعي، بلا اجتهاد، يتحول تدريجيًا إلى روح خاملة، وجسد يتحرك بلا قيمة، وعقل يفقد قدرته على البناء والإبداع والإحساس بعظمة الحياة وشغف السعي طوال الوقت لأنها هي سنه تلك الحياة.. .أن نستمر في السعي بشرف ونزاهة وكرامة حتي نتصف بالانسانية.

والأشد إيلامًا أن تُقال مثل هذه الكلمات في زمن أصبحت فيه المرأة طبيبة تُنقذ الأرواح، ومعلمة تبني العقول، ومهندسة تشيد الأوطان، وأمًا عظيمة تصنع أجيالاً كاملة من الرجال والنساء القادرين على مواجهة تلك الحياة.

إن الإسلام لم يُهِن المرأة يومًا، ولم يختزلها أبدًا في فكرة «من يصرف عليها»، بل رفع شأنها، وكرّم عقلها، وأعلى من مكانتها، وجعلها شريكة كاملة في عمارة الأرض والحياة.

لقد جاء الإسلام والمرأة في الجاهلية تُهان، وتُدفن أحيانًا وهي حيّة، ويُنظر إليها باعتبارها عبئًا وعارًا، فجاء القرآن الكريم ليقلب الموازين كلها، ويعلن تكريم المرأة باعتبارها إنسانًا كامل الإنسانية، له عقل، ورسالة، وكرامة، وحق في العمل والكسب والتعلم والمشاركة في بناء المجتمع.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1].

من نفس واحدة.. لا فرق في الإنسانية.. لا فرق في القيمة.. لا فرق في الكرامة

ثم جاء القرآن ليحسم القضية الكبرى التي يحاول البعض تشويهها حتى اليوم، وهي أن العمل والجزاء والإنجاز ليست حكرًا على الرجال وحدهم، بل إن الله سبحانه ساوى بين الرجل والمرأة في التكليف والعمل والأجر والجزاء.

قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 195].

وقال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].

تأملوا المعنى العظيم «حياة طيبة»، فالعمل ليس مجرد راتب آخر الشهر… العمل كرامة… العمل إحساس بالوجود… العمل رسالة… العمل شعور بأن للإنسان أثرًا في هذه الدنيا.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يُزرع داخل عقل أي إنسان، وخاصة المرأة، هو أن حياتها المثالية أن تجلس بلا هدف، تنتظر من يُنفق عليها، وكأنها فقدت دورها ورسالتها وقدرتها على الإنتاج والعطاء.

فالمرأة التي تُربّى على أن تكون مجرد مستهلكة للحياة، لا صانعة لها، تُنتزع منها أعظم صفاتها الإنسانية: الكفاح، والإحساس بالمسؤولية، والقدرة على مواجهة كافة الصعوبات.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، أن المرأة لا تعمل لتثبت نفسها لأحد، ولا لأنها في معركة مع الرجل، ولا لأنها تريد منافسته أو هزيمته كما يحاول البعض تصوير الأمر.

هي تعمل لأنها إنسان كائن حر محترم، تعلم واجتهد وتعب وسهر وحلم، ويريد أن يعيش بكرامة وشرف وأمانة.

هي تعمل لأنها تريد أن تشعر بقيمتها الحقيقية، لا بقيمة ما يُنفقه الآخرون عليها.

والمرأة التي تختار العمل الشريف ليست امرأة متمردة على أنوثتها، بل على العكس تمامًا، هي امرأة تدرك معنى المسؤولية، وتفهم أن الحياة لا تُبنى بالكسل والاعتماد الكامل على الآخرين.

بل إن الواقع يؤكد أن كثيرًا من النساء العاملات المتزوجات هن الأكثر حفاظًا على بيوتهن، والأكثر فهمًا لقيمة المال، والأكثر تقديرًا لتعب الزوج والأسرة، لأنهن يعرفن معنى السعي الحقيقي.

الإسلام نفسه قدّم نماذج عظيمة لنساء عملن وساهمن وتحملن المسؤولية دون أن يفقدن حياءهن أو أنوثتهن أو مكانتهن.

فالقرآن الكريم قصّ علينا قصة ابنتي نبي الله شعيب عليه السلام، حين خرجتا للعمل ورعاية الماشية بسبب مرض والدهما وكبر سنه، فقال تعالى:

﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: 23].

لم يعتبر القرآن عملهما عيبًا، ولم يُصوّر خروجهما للحياة باعتباره سقوطًا أو تقليلًا من شأنهما، بل عرض القصة بكل احترام وتقدير.

ولا ننسي الحديث عن السيدة خديجة رضي الله عنها، زوجة النبي ﷺ، كانت تاجرة عظيمة ذات مال وتجربة وعقل راجح، ولم يكن عملها ضد الدين، بل كانت من أعظم نساء الإسلام شأنًا وقدرًا.

وفي المقابل، فإن الإسلام أيضًا كرّم المرأة التي اختارت بيتها وأسرتها وتربية أبنائها، وجعل لذلك أجرًا عظيمًا، لأن القضية في الإسلام ليست “بيت أو عمل”، وإنما القضية الحقيقية هي: هل الإنسان يؤدي رسالته في الحياة أم لا؟

فالمرأة التي تختار بكامل ارادتها ان تتفرغ لكي تربي أبناء صالحين، وتحافظ على بيتها، وتزرع الأخلاق والقيم داخل أسرتها، تقوم برسالة عظيمة لا تقل أهمية عن أي منصب أو وظيفة.

لكن الكارثة أن تتحول المرأة إلى إنسان بلا رسالة، بلا طموح، بلا سعي، فقط تنتظر من يُطعمها ويُنفق عليها، وكأنها فقدت روحها وإرادتها وتحولت إلى كائن مستهلك للحياة لا شريكًا في صناعتها.

وهذا النموذج تحديدًا هو أبشع ما يمكن أن تصل إليه الإنسانية، لأنه يتناقض تمامًا مع عظمة الإسلام ونظرته الراقية للمرأة.

الإسلام لم يصنع امرأة ضعيفة، بل صنع امرأة قوية بالعقل، والدين، والأخلاق، والوعي، والعمل، والقدرة على البناء.

امرأة تعرف أن الحياة لا تُدار بالاتكالية، بل بالاجتهاد والسعي.

ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].

شراكة.. تكامل.. مسؤولية مشتركة، وليس رجلًا يعمل وحده، وامرأة تعيش على هامش الحياة بلا دور ولا رسالة.

إن العمل الشريف كله وبجميع صورة من سفيرة تحمل اسم وطنها في المحافل الدولية الي امرأة بسيطة عاملة تكافح في البيوت من اجل تعليم ابنائها كل هذه الأشكال لا تنتقض من أنوثة المرأة، بل يزيدها احترامًا وقيمة وهيبة، لأنه يمنحها إحساسًا عظيمًا بأنها عنصر نافع ومؤثر داخل المجتمع.

فالإنسان الذي يجتهد، ويتعب، ويسعى، يشعر دائمًا أنه حي، أما الذي يعيش بلا هدف، فمع الوقت يتحول إلى شيء يشبه الجماد، انسان يأكل ويشرب فقط، لكنه لا يشعر بلذة الإنجاز ولا عظمة العطاء.

ولذلك فإن المجتمعات القوية لا تُبنى برجال فقط، ولا بنساء فقط، بل تُبنى بإنسان يعرف قيمة العمل، ويحترم الكفاح، ويؤمن أن الحياة الحقيقية ليست في الاتكالية، بل في السعي الشريف.

وفي النهاية، تبقى المرأة في الإسلام مكرّمة، سواء كانت أمًا عظيمة تصنع الأجيال داخل بيتها، أو امرأة عاملة تكافح بشرف وأمانة، فكلتاهما صاحبة رسالة وقيمة ومكانة.

أما اختزال المرأة في فكرة «تلاقي اللي يصرف عليها وتقعد في البيت»، إهانة كبيرة لعقل المرأة، ولمكانتها، ولرسالتها الإنسانية التي كرّمها الله بها منذ بداية الخليقة، يوم خلق آدم وحواء ليعمّرا الأرض.

معًا كتفًا بكتف، لا سيدًا وتابعًا، ولا منتجًا وكائنًا بلا دور.

اقرأ أيضاًهل عمل المرأة مباح في الإسلام؟.. أستاذ فقه بالأزهر يوضح الضوابط

مايا مرسي تشيد بدعوة الرئيس لتحقيق المساواة بين الجنسين في العمل

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts