محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية
لم تعد المواجهة الدائرة على الحدود اللبنانية مجرد اشتباك عسكري محدود بين إسرائيل وحزب الله، بل تحولت إلى جزء من إعادة تشكيل أوسع لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط، في لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية مع حسابات الحرب والأمن والطاقة ومستقبل التوازنات الإقليمية.
إسرائيل تعلن أن هدفها المباشر هو حماية شمالها وإبعاد خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة عن حدودها، لكنها في العمق تتحرك وفق رؤية تتجاوز المعالجة الأمنية المؤقتة، فتل أبيب ترى أن ما حدث بعد حرب غزة فتح نافذة لإعادة رسم قواعد الاشتباك القديمة التي حكمت جنوب لبنان منذ عام 2006، وربما فرض واقع جديد يمنع عودة حزب الله إلى معادلة الردع السابقة.
ومن هنا يأتي الإصرار الإسرائيلي على تحويل الجنوب اللبناني إلى مساحة شبه منزوعـة السلاح، أو على الأقل خاضعة لرقابة عسكرية وأمنية صارمة، بما يضمن إنشاء حزام أمني فعلي، حتى وإن لم يُعلن بهذا الاسم رسميًا.
هذا الطرح يعيد إلى الذاكرة العقل الاستراتيجي الإسرائيلي القديم الذي طالما نظر إلى نهر الليطاني باعتباره خطًا دفاعيًا طبيعيًا، سواء لأسباب عسكرية أو مرتبطة بالمياه والجغرافيا.
ورغم أن الخطاب الرسمي الإسرائيلي يتجنب الحديث عن أي مشروع توسعي، فإن طبيعة العمليات العسكرية والضغوط السياسية توحي بأن تل أبيب تريد فرض معادلة جديدة على لبنان كله، لا على حزب الله فقط. فالمطلوب إسرائيليًا ليس مجرد تهدئة مؤقتة، بل تغيير دائم في البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بها.
لكن المعضلة الكبرى أن لبنان يقف اليوم في قلب عاصفة إقليمية أكبر منه بكثير.
فهو من جهة يواجه ضغطًا إسرائيليًا متصاعدًا يهدد بانفجار واسع، ومن جهة أخرى يعيش على إيقاع مفاوضات أمريكية ـ إيرانية تتحكم فعليًا في سقف التصعيد وحدود التسوية.
واشنطن تدرك أن أي حرب شاملة في لبنان قد تشعل المنطقة بالكامل، خصوصًا مع استمرار التوتر في غزة والبحر الأحمر والعراق وسوريا. لذلك تحاول الإدارة الأمريكية الدفع نحو تسوية تمنع الانفجار، لكنها في الوقت نفسه تمنح إسرائيل مساحة ضغط كافية لتحسين شروط التفاوض.
أما إيران، فتتعامل مع الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى أوراق القوة الرئيسية في أي تفاوض مع الغرب. ولهذا لا يبدو حزب الله منفصلًا عن المشهد الإقليمي العام، بل جزءًا من شبكة توازنات تستخدمها طهران في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
هنا تظهر الأزمة اللبنانية الحقيقية: لبنان لم يعد يمتلك رفاهية القرار المستقل الكامل، لأن أرضه تحولت إلى نقطة تقاطع بين مشروعين، مشروع إسرائيلي يريد حدودًا آمنة بالقوة، ومشروع إيراني يعتبر بقاء ورقة المقاومة عنصرًا أساسيًا في معادلة الردع الإقليمي.
ومع اقتراب الحديث عن تسويات محتملة في المنطقة، تحاول إسرائيل فرض أكبر قدر من الوقائع الميدانية قبل الوصول إلى أي اتفاق، فتل أبيب تعرف أن لحظة المفاوضات هي أخطر اللحظات، لأنها تحدد شكل الشرق الأوسط القادم، ومن يملك النفوذ فيه، ومن يخسر أوراقه.
لذلك يبدو الضغط العسكري على لبنان اليوم جزءًا من حرب تفاوض غير معلنة، تستخدم فيها الطائرات والصواريخ بقدر ما تستخدم فيها الدبلوماسية والوساطات الدولية.
ويبقى السؤال الأخطر: هل ينجح الشرق الأوسط في الوصول إلى تسوية تُطفئ الحرائق المشتعلة، أم أن المنطقة تقف فقط أمام هدنة مؤقتة تسبق انفجارًا أكبر؟
الإجابة ربما لا تُكتب في بيروت وحدها، بل في واشنطن وطهران وتل أبيب أيضًا.
اقرأ أيضاًهل تدخل مصر عصر تكنولوجيا المواصلات الذكية؟
الصين وإيران وواشنطن.. لماذا لا تملك بكين مفتاح إنهاء الحرب؟
