ثقافة.. "الغش" 4 ساعات ago
مقالات

شبكات التنسيق السري بين أفرع “الإخوان” في الملاذات الآمنة – الأسبوع


في ملف الإرهابيين الهاربين من أحكام قضائية، لا يجد عضو التنظيم الإخواني نفسه وحيدًا عندما يصل إلى مطارات دول الملاذ الآمن أو منافذها البرية، وإنما يستقبله مُضيف من أعضاء التنظيم في تلك الدولة، يعرف اسمه ورقم رحلته والجرائم الإرهابية التي ارتكبها، ويصطحبه إلى سكن مُعدّ مسبقًا، ثم إلى محامٍ متعاون، ومنه إلى جهات رسمية «صديقة» تمنحه إقامة إنسانية أو لجوءًا سياسيًا أو بطاقة حماية مؤقتة، إلى أن توافق أجهزة تلك الدولة على منحه جنسية ثانية. السؤال الذي تطرحه هذه السلسلة من «الحجوزات المسبقة الميسرة»: هل يمكن أن تتم هذه الإجراءات دون تنسيق بين أفرع التنظيم الإخواني، ودون موافقة رسمية من دولة الملاذ الآمن؟

نسمع تصريحات، ونقرأ بيانات يعلنون فيها «انفصال» فروع بلادهم عن «الجماعة الأم» أو ما يسمى «مكتب الإرشاد العالمي» بعد «مراجعات نقدية» أو «انشقاقات تنظيمية»، وآخرون يذهبون إلى حد وصف الجماعة بأنها «أصبحت مجرد أطياف لا تجمعها قيادة موحدة»، لكن الوقائع الميدانية، والوثائق المسربة، وشهادات العائدين إلى مصر الفارين من جحيم التنظيم، ترسم صورة مختلفة تمامًا، تُظهر بوضوح «طرق التهريب المنظمة» بين أكثر من عاصمة، بقيادة نفس العناصر، وتحت غطاء «التنسيق الإنساني» الذي لا يعلن عنه.

بعد فشل التنظيم الإخواني في تحقيق المستهدف من اعتصامي “رابعة والنهضة” في منتصف أغسطس 2013، بدأ عدد كبير من قادة التنظيم وأعضائه يبحثون عن «منافذ ونوافذ الهروب» قبل أن تطالهم يد العدالة. لم يكونوا وحدهم، بل حملوا معهم خططًا مرسومة مسبقًا، وشبكات تنسيقية ضاربة في أكثر من دولة. وخلال أقل من شهر ظهروا في ملاذات آمنة مستقرة.

التنظيم الإخواني في إحدى الدول، وبالتنسيق مع أجهزة الأمن في تلك الدولة، استقبل قادة وأعضاء التنظيم الإخواني المصري وحلفاءهم الهاربين المعترفين بجرائمهم الإرهابية علنًا في وسائل التواصل الاجتماعي، وجعل من الدولة فندقًا مفتوحًا لهم. لم يكن الأمر مجرد عبور عابر، وإنما توفير إقامات طويلة الأجل، ودون حاجة إلى جواز سفر أصلًا. كثير من قيادات الجماعة، ممن صدرت ضدهم أحكام غيابية بالسجن في قضايا القتل وسفك الدماء والتخريب، وجدوا طريقهم إلى تلك الدولة، وهناك استكملت خلاياهم النوعية عمليات التدريب على الأسلحة والمتفجرات والإعداد لتنفيذ المزيد من الجرائم، بادعاء أنهم يؤسسون “الجيش الإسلامي” الذي سيعود إلى مصر فاتحًا منتصرًا، ليرفع جماعتهم ومعزولهم على عرش البلاد مرة أخرى. كل ذلك كان بتسهيلات معلنة وتنسيق سري بين فرعي التنظيم الإخواني المصري وفرع الجماعة في تلك الدولة.

شهادات أعضاء الجماعة العائدين إلى مصر، والهاربين من جحيم التنظيم، كشفت الكثير من أسرار استقبال الهاربين في مقرات آمنة، وتوزيعهم على شقق تم استئجارها بأموال جُمعت من تبرعات ما كان يسمى «دعم الإخوة المهاجرين، ضحايا الانقلاب المزعوم». بعض هؤلاء الهاربين مكثوا في تلك الدولة سنوات، وقُدمت لهم تسهيلات تأسيس الشركات التي تم توظيفها في عمليات غسل ونقل الإرهابيين والأموال من دولة إلى أخرى، حتى أصبح هذا الملاذ «محطة عبور» رئيسية إلى عدة دول.

في دولة ثانية من دول الملاذ الآمن، استقبلت مؤسساتها الإرهابيين الهاربين بتمويل سخي، ومنابر إعلامية عملاقة، وإقامات مميزة، ووظائف مرموقة في فضائيات ومنابر إعلامية ومكاتب استشارية، وفي مؤسسات مجتمع مدني وهمية. التمويل لم يقتصر على الرواتب الشهرية، بل خصصت جهات شبه رسمية «صناديق إسناد» للإخوان الهاربين، تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات شهريًا، تُصرف على الإيجارات، وتعليم الأطفال، والدعاية الخارجية. وفي المقابل، تحول هؤلاء الهاربون إلى «جيش من المحللين السياسيين»، يطلون كل ليلة ليشوهوا صورة مصر، ويصفوا أحكام الإعدام والمؤبد الصادرة بحقهم بأنها «سياسية باطلة»، ويتحدثون عن «انتفاضة شعبية قادمة» متوهمة. هكذا تُبيض جرائمهم، فمن كان متورطًا في تحريض على سفك الدماء والتخريب يُعاد تقديمه كـ«معارض ومفكر سياسي نبيل» يناضل من أجل «الديمقراطية».

وتحولت دولة ثالثة إلى «عاصمة بديلة» لتنظيم الإخوان الدولي. فلم يكتفِ النظام الحاكم في تلك الدولة بمنح الإرهابيين الهاربين الإقامات والإعانات الصحية والتعليمية، بل سمح لهم بإعادة بناء هيكل تنظيمي شبه كامل على أراضيها. ففي الملاذ الآمن المستقر، افتتح الإخوان «مكتب إرشاد موازٍ» يضم كوادر كانت تدير التنظيم من القاهرة قبل 2013. وهناك أيضًا صدرت صحف ومواقع إلكترونية بتمويل سخي، وهناك انعقدت مؤتمرات تسمى «مؤتمر المعارضة المصرية» شارك فيها إرهابيون هاربون من أجنحة عسكرية وخلايا إخوانية.

لكن الأخطر أن تلك الدولة وفرت للإرهابيين الهاربين الملاذات اللوجيستية لتخطيط عمليات إرهابية جديدة. فمن على أراضيها، أدار الإرهابيون غرف عمليات تمويل واتصالات، ووجهوا تعليمات لخلايا نائمة داخل مصر عبر تطبيقات مشفرة. وحين ضبطت الأجهزة المصرية بعض هذه الخلايا، عُثر بحوزتها على أموال وأسلحة ووثائق تثبت أن الأوامر كانت تأتي من تلك الدولة. ومع ذلك، ظل هؤلاء القياديون يظهرون في ندوات وملتقيات وكأنهم «سياسيون مهجرون» يعيشون مأساة إنسانية، يتحدثون عن «العودة إلى الديمقراطية»، ويستجدون تعاطف الغرب. هذا هو غسيل السمعة بامتياز: جعل القاتل والمحرض يبدو ضحية.

الصورة تتكرر في ملاذ رابع، هو الملاذ الراعي في الأساس، وما يجمع هذه الملاذات الثلاثة ليس فقط توفير الأمن والإقامة، بل صناعة صورة بديلة للإخواني الهارب. انظروا إلى قنواتهم الفضائية، نادرًا ما يُظهرون الإرهابيين المصريين وهم يتحدثون عن تفجير كنيسة أو حرق قسم شرطة أو اغتيال ضابط. بدلًا من ذلك، تُلبسهم بِزَّات أنيقة بألقاب مصطعنة “شيخ، مفكر، إعلامي، صحفي، خبير ومحلل سياسي”، وتُجلسهم في استديوهات زرقاء، ويُطرح عليهم أسئلة مثل: «كيف ترى مستقبل الانتقال الديمقراطي في مصر؟» أو «ما هي رسالتك للنظام الحالي؟».

أيضًا تم توظيف «دكاكين حقوقية» يديرها أعضاء هاربون لتقديم تقارير متسلسلة تصف أوضاع الإخوان في مصر بأنها «انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان»، وتطالب بالإفراج عن «معارضين سياسيين مزعومين». وهكذا، يتحول من خطط للقتل وسفك الدماء إلى «معتقل رأي» مظلوم. إنها إعادة هندسة للوعي العام. الثمن الوحيد “خيانة وعمالة”.

غير أن هذه المنظومة لا تشمل جميع المنتمين إلى التنظيم بالقدر نفسه. فالمغضوب عليهم داخل الجماعة، أو الذين يتمردون على قواعد السمع والطاعة، أو يجاهرون بآراء تخالف توجهات القيادات، لا يحظون عادة بالمعاملة ذاتها. وتشير تجارب عدد من المغضوب عليهم إلى أن العضو الذي يخرج عن الخط التنظيمي قد يفقد فجأة كثيرًا من المزايا التي كانت متاحة له، ليتحول من عنصر يحظى بالرعاية والتنسيق إلى شخص تُغلق أمامه الأبواب التي فُتحت لغيره.

هذا الكلام يلخص القصة كلها. “الإخوان” ليسوا ضحايا، وليسوا معارضين سلميين. وأفرع التنظيم، وإن أعلنت أنها انفصلت عن التنظيم الدولي، إلا أنها ما زالت دائرة من دوائر شبكة إجرامية عابرة للدول، تتلاعب بها أجهزة استخبارات في عدة دول لتبييض جرائمهم، وتحويلهم من متهمين بإراقة الدماء إلى أيقونات مزعومة للحرية.

والسؤال الذي يطرحه كل مصري عاش أيام الإرهاب الأسود وفقد قريبًا أو صديقًا: متى تتوقف دول عن احتضان قتلة أبنائنا تحت غطاء “المعارضة السياسية”؟ قريبًا جدًا، ستنكشف الأقنعة، وتظهر الحقائق كاملة، ويدرك الجميع أنهم يحتضنون أفاعى سامة، قد تنقلب عليهم بين لحظة وأخرى عندما تشعر بالدفء والأمان.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts