«حين تُسرق الكلمات.. كيف تُدار أخطر حروب الوعى؟».. فهناك احتلال للأرض، واحتلال للعقول.. .والأخير هو الأخطر.
فالاحتلال العسكري يمكن مقاومته بالسلاح، أما احتلال الوعى فلا يُقاوم إلا بإدراك كيف تُصنع الكلمات، وكيف تتحول اللغة من وسيلة للتعبير إلى أداة لإعادة تشكيل العقول.
لقد أدركت القوى الغربية منذ زمن بعيد أن كسب الحرب لا يبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى، بل يبدأ بتغيير القاموس الذى يتحدث به الناس، فحين تتغير الكلمة، يتغير معناها في الوجدان، وحين يتغير المعنى، يتغير الموقف، ثم يتغير التاريخ نفسه فمثلا الحرب العالمية الثانية لم تكن مجرد مواجهة بين جيوش فقط.
بل كانت أيضًا معركة بين العقول، وخلالها برز اسم جوزيف جوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية، الذى أدرك أن الكلمة قد تسبق الرصاصة، وأن السيطرة على وعى الجماهير قد تكون أكثر تأثيرًا من السيطرة على ميادين القتال، وهو ما ادركته الدول الغربية جيدا بعد ذلك، فتوسعت في الاهتمام بدراسة تأثير الإعلام والدعاية وتشكيل الرأي العام، وأصبح الاستثمار في الإعلام والاتصال الاستراتيجي، والعلاقات العامة، وتحليل الخطاب، وصناعة الصورة الذهنية، جزءًا أساسيًا من أدوات النفوذ الحديثة.
ومع مرور الوقت، لم تعد المعارك تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت تُخاض أيضًا عبر الشاشات، ومنصات الأخبار، ووسائل التواصل الاجتماعي، والأهم من ذلك كله عبر المصطلحات ولدينا في الاعلام الأمريكي والأفلام الامريكية مثال واضح للكذب والتدليس وتغييب الوعى.
و بالفعل نجح الإعلام الغربي، في التسلل إلى جزء كبير من الإعلام العربي، الذى أعاد إنتاج هذه المفردات دون مراجعة، حتى أصبحت تتردد على ألسنة أجيال كاملة، فتغيرت الصورة في العقول قبل أن تتغير على الأرض.
وإذا كان هذا التحول قد طال مجالات مختلفة، فإن القضية الفلسطينية كانت النموذج الأوضح والأخطر لحرب المصطلحات.
لقد امتلكت القضية الفلسطينية لعقود قاموسًا عربيًا واضحًا لا يثير أي التباس الاحتلال، العدوان، الشهيد، المقاومة، الفدائي، الانتفاضة، أطفال الحجارة، الاستيطان، القدس المحتلة، الجدار العازل، الأسرى.
كانت هذه الكلمات تختصر حقيقة الصراع، وتحدد أطرافه، وتضع كل طرف في موقعه الطبيعي ثم بدأت عملية الاستبدال، كلمة بعد أخرى اختفت عبارة «قوات الاحتلال الإسرائيلي»، لتحل محلها عبارات مثل «الجيش الإسرائيلي» أو «القوات الإسرائيلية».
وقد يبدو الفارق بسيطًا، لكنه فب الحقيقة يغير طبيعة المشهد كله، فحين تسقط كلمة «الاحتلال»، يغيب الوصف القانوني والسياسي، ويتحول الأمر إلى مجرد جيش يخوض حربًا، لا قوة تحتل أرضًا يعترف العالم بأنها محتلة.
والأمر نفسه حدث مع كلمة «العدوان» فبعد أن كانت نشرات الأخبار تتحدث عن «العدوان الإسرائيلي على غزة»، أصبحت تتحدث عن «التصعيد العسكري»، ثم عن «جولة القتال»، ثم عن «الحرب بين إسرائيل وحماس».
في الصياغة الأولى يوجد معتدٍ ومعتدى عليه، أما في الأخيرة فيبدو المشهد وكأنه نزاع بين طرفين متساويين، فتختفى جذور القضية، ويختفى الاحتلال من المشهد، وكأن الحرب اندلعت من فراغ.
ولم يكن مصطلح الشهيد أقل استهدافًا فبعد أن كان الفلسطيني الذى يُقتل برصاص الاحتلال يوصف بالشهيد، أصبح في كثير من التغطيات قتيلًا أو ضحية، بينما تحولت المقاومة إلى مسلحين أو جماعات مسلحة، وتحول الفدائي إلى عنصر مسلح.
وتحولت العملية الفدائية إلى هجوم مسلح، وأصبحت انتفاضة الأقصى مجرد موجة عنف، وانتفاضة الحجارة مجرد اضطرابات، وأصبح الجدار العازل حاجزًا أمنيًا، وتحولت الأراضي المحتلة إلى أراضٍ متنازع عليها.
ولم تتوقف المعركة عند تغيير الكلمات، بل امتدت إلى طريقة كتابة الخبر نفسه. فلم يعد يقال: قصف الجيش الإسرائيلي مدرسة، بل: تعرضت مدرسة للقصف. ولم يعد يقال: قتل الجيش الإسرائيلي أطفالًا، بل: قُتل أطفال. هكذا يختفى الفاعل، وتختفى معه المسؤولية، وتتحول الجريمة إلى حادث غامض لا يعرف أحد من ارتكبه.
والأخطر من ذلك أن القضية الفلسطينية نفسها جرى اختزالها في كثير من التغطيات إلى أزمة إنسانية فقط. فأصبحت الأخبار تدور حول المساعدات، والمستشفيات، والنازحين، والجوع، بينما يتراجع الحديث عن الاحتلال الذى صنع هذه المأساة.
وهكذا ينتقل اهتمام العالم من البحث عن سبب الكارثة إلى مجرد البحث عن كيفية التخفيف من آثارها، وكأن المأساة حدث طبيعي لا نتيجة لواقع سياسي مستمر.
إن أخطر ما فعلته الآلة الإعلامية الغربية لم يكن فقط إعادة صياغة الأخبار، بل إعادة صياغة وعى المتلقي فحين يكبر جيل عربي يسمع «التصعيد» بدلًا من «العدوان»، و «المسلحين» بدلًا من المقاومة، و الحاجز الأمني بدلًا من «الجدار العازل» و الأراضي المتنازع عليها بدلًا من الأراضي المحتلة، فإنه لا يتعلم مفردات جديدة، بل يتلقى رواية جديدة للصراع، تختلف عن الرواية التي تربى عليها آباؤه.
والامر لم يتوقف هنا فقط بل وصل الى كثير من المجالات خاصة الاقتصادية والاجتماعية فمثلا فلم يعد كثير من وسائل الإعلام يستخدم تعبير «الشذوذ الجنسي».
بل أصبح يتحدث عن «المثلية الجنسية»، ثم عن «مجتمع الميم» وهو تحول خطير يسعى الى اجبار المجتمعات الرافضة لهذا السلوك الى تقبله كما حدث في الفترات السابقة ولم يعد هناك رفع للأسعار، بل تحريك للأسعار، ولا خفض للدعم، بل إعادة هيكلة للدعم، ولا زيادة للضرائب، بل إصلاح ضريبي، ولا تعويم للعملة، بل تحرير لسعر الصرف. وحتى في الحروب لم يعد المدنيون يُقتلون، بل تقع أضرار جانبية، ولم يعد القصف قصفًا، بل أصبح ضربات دقيقة.
قد تبدو هذه مجرد تغييرات لغوية، لكنها في الحقيقة تغييرات في طريقة التفكير. فالكلمة لا تصف الواقع فقط، بل تحدد الطريقة التي يشعر بها الإنسان تجاه هذا الواقع.
إن الدفاع عن المصطلحات ليس تعصبًا للألفاظ، بل دفاع عن الذاكرة والهوية وطريقة فهم التاريخ، فحين يتغير القاموس، تتغير الذاكرة، وحين تتغير الذاكرة، يتغير الوعى، وحين يتغير الوعى يصبح تزوير الحقائق أكثر سهولة.
لذلك، فإن أخطر احتلال قد تتعرض له أمة ليس احتلال حدودها، بل احتلال لغتها. فالأرض يمكن أن تستعاد، أما إذا ضاعت الكلمات التي تحفظ الحقيقة، فإن استعادة الوعى تصبح المعركة الأصعب.
ومن ينجح في السيطرة على القاموس، يقترب كثيرًا من السيطرة على العقول.
اقرأ أيضاًالبحرين تدين استهداف أراضيها فجراليوم بعدد من المسيرات الإيرانية
ثمن الخيانة.. شهادات وذكريات يرويها مصطفى بكري «الحلقة 90»
حماس: الاتصالات مستمرة للوصول إلى مقاربات لتطبيق كامل لاتفاق وقف النار









