تكمن المعضلة الكبرى لنموذج الحكم الإداري في مصر عقب ثورة 30 يونيو، في ارتكانه المفرط إلى العقل الجمعي البيروقراطي الموروث تاريخياً منذ عهد محمد علي باشا، هذا العقل الذي وصل، مع مرور العقود، إلى حالة من التخشب والتحجر الإداري، كانت هي السبب الرئيس في إيصال البلاد إلى نقطة الانسداد والانفجار في يناير 2011. إن خطورة هذا الكيان المترهل لا تكمن فقط في جموده، بل في قدرة أنسجته المتشبعة بالفساد والمصالح الضيقة على ابتلاع وهضم أي مشروع قومي يستهدف التنمية المستدامة أو الإصلاح الهيكلي.
وتجلت هذه الإشكالية بوضوح في سياسات الإصلاح الاقتصادي الأخيرة، والتي انطلقت بقرارات اندفاعية، واكبتها طفرة عمرانية وتنموية هائلة في البنية التحتية، ورغم ضخامة هذه المشروعات، إلا أن غياب العقل الإداري الحديث سمح للآلة البيروقراطية بإفراغ تلك الجهود من مضمونها الاجتماعي، وحال دون انعكاس ثمارها بشكل ملموس على الحياة اليومية للمواطن البسيط.
إن المفارقة الصارخة التي يعيشها الشارع المصري اليوم تمثل تجسيداً كاملاً لهذا الخلل الإداري، فبينما تشهد البلاد تشييد شبكات طرق وجسور عملاقة وبنية تحتية غير مسبوقة، يغرق الشارع في حالة من الفوضى والعشوائية السلوكية والتنظيمية، باتت معها مركبات “التوك توك” هي العنوان الأبرز والبديل غير الرسمي لمنظومة النقل والتخطيط.
هذا الانفصام بين حداثة المشروعات وعشوائية الواقع وضع المواطن في حالة من اليأس والقلق المزمن، يترقب معها يومياً قرارات فجائية تصدر عن مسؤولين تنفيذيين يبدون معزولين تماماً عن إدراك حجم الضغوط المعيشية التي تكبل الأسرة المصرية.
في هذا السياق، لا تبدو حكومة المهندس مصطفى مدبولي مجرد حكومة أشخاص، بل هي الامتداد الطبيعي لذلك الفكر الإداري المأزوم، الذي باتت قراراته تملك أثراً سلبيًا يضغط بعنف على العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.
وإذا كان رصيد الثقة الشعبي والمحبة العضوية لشخص السيد رئيس الجمهورية هو الصمام الذي أرجأ مراراً وتكراراً أي حراك أو انفجار ناتج عن الغضب والضيق الاقتصادي، فإن الاستمرار في السياسات الصادمة ـ وأحدثها قرارات العداد الكودي للمياه والكهرباء، والتلويح المتكرر بالمساس بمنظومة دعم رغيف الخبز أو تحويله إلى دعم نقدي ـ قد بدأ بالفعل في تصعيد نبرة الوجع والأنين في عمق الشارع المصري، بشكل لم يعد معه الصمت متاحاً أو ممكناً.
إن صياغة المسار التصحيحي اليوم لا تتطلب مجرد تعديلات وزارية في الأسماء، أو تراجعاً تكتيكياً عن قرار هنا أو هناك، بل تستدعي ثورة شاملة في آليات صناعة القرار الاستراتيجي، والفرار الفوري نحو أدوات الرقمنة والحوكمة العالمية عبر صناعة “ظهير استشاري وتنفيذي متطور” يتكون من دائرة كفاءات تكنوقراطية من أبناء مصر العلماء والخبراء بالداخل والخارج، تكون مهمتهم الأساسية إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتطهيرها من الترهل. كما يتطلب الواقع الاقتصادي الراهن حسماً قضائياً صارماً بإحالة ملفات الاحتكار والرفع الجنوني وغير المبرر لأسعار السلع الأساسية وقوت الشعب إلى محاكمات ناجزة، بوصفها ممارسات تمس بالأمن القومي والسلم المجتمعي مباشرة، بالتوازي مع البدء الفوري في حملة قومية شاملة لتطهير الشارع من مظاهر الفوضى، وتقنين أو استبدال منظومة النقل العشوائي بوسائل حضارية تخضع لرقابة الدولة.
سيادة الرئيس، إن دافعنا في تقديم هذا الطرح، الذي تكرر في رسائل عديدة على مدار سنوات، ينبع من أمانة وطنية خالصة ومحبة عضوية للوطن ولقيادته، بعيداً عن المواربة أو التجميل الزائف.
لقد استهلكت البيروقراطية الحالية طاقة المواطن، وأصبح الوطن في حاجة ماسة لولادة عقل إداري جديد يقود مصر نحو المستقبل، ويحمي جبهتها الداخلية من مغبة القرارات التي قد تمس بلقمة عيش الملايين. ففلسفة الدعم في مصر لا تكمن أزمتها في قيمته المادية أو الهدر المفترض كما تصوره التقارير الحكومية، بل في كفاءة إدارته الرقمية، وإن الإقدام على تحويل الدعم السلعي إلى دعم نقدي في ظل معدلات تضخم غير مستقرة، سيعني عملياً تآكل القيمة الشرائية لتلك النقود في يد المواطن خلال أشهر قليلة، مما ينذر باتساع رقعة الفقر. لذلك، فإن البديل الحقيقي ليس إلغاء الدعم أو المساس بخصوصية رغيف الخبز، بل في تجفيف منابع الفساد في سلاسل التوريد والإنتاج، وربط المنظومة بقاعدة بيانات قومية دقيقة تلغي التلاعب، حتى يصبح الاستغناء عن الدعم مستقبلاً نتاجاً طبيعياً للملاءة المالية للمواطن، وليس قراراً قسرياً يفرضه العجز الإداري للحكومة، فرغيف الخبز لم يكن يوماً مجرد سلعة تموينية، بل هو خط الدفاع الأخير عن الاستقرار الاجتماعي في مصر.
