يُعد التراث الركيزة الأساسية التي تحفظ ذاكرة الشعوب وتوثّق تاريخها، فهو التعبير الصادق عن هويتها الحضارية والثقافية عبر الأجيال، لذلك، فإن أي أمة تُهمل تراثها تُعرِّض جزءًا من شخصيتها وخصوصيتها للضياع.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على الموروث الوطني بكل صوره، سواء كان فنونًا شعبية، أو حرفًا تراثية، أو ألعابًا تقليدية، لا يُمثل مجرد اهتمام بالماضي، بل هو استثمار في الهوية المصرية وحماية لأحد أهم عناصر قوتها الناعمة.
وقد أدركت الدولة المصرية أهمية هذا الملف، فتبنّت خلال السنوات الأخيرة استراتيجية واضحة لصون التراث غير المادي وتوثيقه، والعمل على تسجيل عناصره في قوائم اليونسكو، بما يضمن الحفاظ على الحقوق الثقافية لمصر ويمنع أي محاولات لطمس هذا الإرث أو نسبه إلى دول أخرى.
وفي هذا الإطار، تكتسب الدورة الرابعة من ملتقى السمسمية القومي، الذي تستضيفه محافظة الإسماعيلية في نهاية الشهر الجاري، وتنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة المخرج هشام عطوة، أهمية خاصة، باعتباره أحد أبرز الفعاليات المعنية بحماية أحد أهم الفنون الشعبية المصرية المرتبطة بمدن القناة، والذي شكّل، على مدار عقود، جزءًا أصيلًا من الوجدان الوطني، لا سيما خلال سنوات المقاومة الشعبية وحروب الدفاع عن الوطن.
ولا يقتصر دور الهيئة العامة لقصور الثقافة على تنظيم العروض الفنية، بل يمتد إلى تبني رؤية حقيقية للحفاظ على الفنون التراثية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة.
غير أن هذا الدور يواجه تحديًا حقيقيًا يتمثل في تناقص عدد المشتغلين بهذا الفن، سواء من شعراء السمسمية، أو عازفيها، أو صُنّاع آلتها، أو حتى مصممي استعراضاتها، الأمر الذي يجعل هذا التراث مهددًا إذا لم تُبذل جهود حقيقية لتجديد دمائه بصورة مستمرة.
ورغم أن فرق السمسمية ما زالت تعتمد على الإرث الإبداعي الذي تركه كبار شعرائها، مثل الكابتن غزالي، كامل عيد، عطية عليان، سيد بارح، حسن العشري، وعبد القادر مرسي، رجب أبو حسن، حافظ صادق، ومرسي بركة، فإن الحفاظ على هذا الفن لا يمكن أن يظل قائمًا على ما أُنجز في الماضي فحسب، بل يحتاج إلى إنتاج جديد يواكب العصر، ويحافظ في الوقت ذاته على روح التراث وأصالته.
ومن هنا، أتمنى أن تتسع محاور الملتقى في دورته الحالية، بحيث لا تقتصر على الحفلات والعروض الفنية، وإنما تشمل ورشًا متخصصة في كتابة شعر السمسمية، وصناعة الآلة، وتعليم العزف عليها، وتصميم الرقصات والاستعراضات التراثية المرتبطة بها، فهذه الورش ليست نشاطًا جانبيًا، وإنما تمثل الضمان الحقيقي لإعداد جيل جديد يحمل الراية ويواصل المسيرة.
وأثق أن الفنان أحمد الشافعي، رئيس الإدارة المركزية للشؤون الفنية بالهيئة العامة لقصور الثقافة ومدير الملتقى، الذي كان له دور بارز في إعادة إحياء هذا الحدث ووضع رؤيته الفنية، ونفذتها إدارة المهرجانات برئاسة إيمان حمدي، يدرك أهمية هذا التوجه، خاصة بعد النجاح الذي حققته الدورات السابقة، والتي شهدت إقامة معرض لآلة السمسمية إلى جانب العروض الفنية.
كما أن الاستعانة بالمخرج ماهر كمال لإخراج حفلي الافتتاح والختام من شأنها أن تضيف بعدًا بصريًا وفنيًا يليق بقيمة هذا التراث.
إن حماية التراث لا تتحقق بالاحتفاء به مرة كل عام، وإنما بصناعة أجيال جديدة تؤمن بقيمته، وتمارسه، وتطوره، وتضيف إليه، ولذلك، فإن تعليم الأطفال والشباب صناعة آلة السمسمية، والعزف عليها، وكتابة نصوص وأغانٍ جديدة لها، يجب أن يصبح جزءًا أساسيًا من استراتيجية الحفاظ على هذا الفن.
كما أتمنى ألا يظل ملتقى السمسمية حبيس مدن القناة وحدها، فهذه الآلة أصبحت جزءًا من الوجدان المصري كله، وليست تراثًا محليًا فحسب. فقد ارتبطت بأغاني المقاومة والصمود، وتحولت إلى أحد الرموز الثقافية التي توحد المصريين.
وقد لمست ذلك بنفسي عندما شاركت فرقة بورسعيد للسمسمية في فعاليات الدورتين الرابعة والتاسعة من المهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب بمحافظتي أسيوط وقنا، حيث استقبلها الجمهور بحفاوة كبيرة، والتف حول عروضها، وتمنى استمرارها لأيام إضافية، وهو ما يؤكد أن هذا الفن قادر على الوصول إلى كل بيت مصري إذا أُتيحت له الفرصة.
إننا اليوم أمام مسؤولية وطنية تتجاوز السمسمية وحدها، فمصر تمتلك ثروة هائلة من الفنون والحرف والموروثات الشعبية التي تستحق الرعاية والتطوير.
وما حققته الهيئة العامة لقصور الثقافة من خلال مهرجان التحطيب بمحافظة الأقصر يمثل نموذجًا ناجحًا لكيفية حماية أحد عناصر التراث غير المادي عبر فعاليات سنوية، حتى استعاد التحطيب حضوره بعد أن كان مهددًا بالاندثار.
وفي المقابل، لا تزال هناك فنون وآلات شعبية تحتاج إلى تدخل عاجل، مثل الربابة والمزمار، بل إن آلة الأرغول تمثل درسًا مهمًا في خطورة التأخر في حماية التراث، بعدما اندثرت.
إن الحفاظ على التراث مسؤولية جماعية تتشارك فيها مؤسسات الدولة، والهيئات الثقافية، والجامعات، ومؤسسات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، ووسائل الإعلام، فالموروث الشعبي ليس مجرد ذكريات جميلة، بل هو قوة ناعمة تعبر عن شخصية مصر، وتستحق أن تتحول إلى مشروع وطني دائم، يقوم على التوثيق، والتعليم، والتدريب، والإبداع، حتى يبقى هذا التراث حيًا في وجدان الأجيال القادمة، لا مجرد ذكرى محفوظة في الكتب أو المتاحف.
اقرأ أيضاًوزير الثقافة ومحافظ الإسماعيلية افتتحا ملتقى السمسمية القومي الثالث
«القومي للسينما» يطلق مسابقة لكتابة السيناريو ضمن مشروع «جيل واعي – وطن أقوى»









