مقالات

دانا مصر حبيبتي في كفة و يا مصر بتعمليها ازاي.. وكل الدنيا في كفة – الأسبوع

د. مروى عادل

استيقظت منذ عدة أيام على الأغنية في بيتنا. المفاجأة لم تكن فقط في أغنية جيل سابق، بل أيضًا في المغني، فقد سمعتها بصوت ابني، ابن جيل Gen Z الذي لم يغني مثلًا «يا مصر بتعمليها إزاي» الحديثة.

فقد كنت أعتقد أن الانتماء حكاية تخص جيلنا فقط، نحن الذين تربينا في زمن كان فيه التلفزيون المصري هو نافذتنا الوحيدة على العالم.

لم تكن هناك منصات تخبرك كل دقيقة أن الحياة أجمل في مكان آخر، ولا مؤثرون يقيسون النجاح بعدد المتابعين.

كانت مصر هي الخبر الأول، والأغنية الأولى، والحكاية الأولى.

نشأنا على أغنيات الوطن، وعلى مباريات المنتخب التي كانت تتحول إلى قضية أمن قومي داخل كل بيت. وأعترف، حتى الآن، أن معلوماتي الكروية لا تزيد كثيرًا على معلوماتي عن كوكب بلوتو، ولا أعرف سوى مو صلاح، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: فرحة المصريين.

أتذكر كيف كانت الشوارع تمتلئ بالبشر، وكيف كان الناس يهتفون: “جوهري، جوهري”، وكأنه أحد أفراد العائلة، عندما وصلنا لكأس العالم عام 1990، وبالطبع جول مجدي عبد الغني الذي لا يزال يذكرنا به في كل المناسبات، أو حتى بدون مناسبة. لم يكن الأمر يتعلق بكرة القدم فقط، بل بإحساس نادر أننا جميعًا نفرح للسبب نفسه.

ثم خرج علينا من يقول إن كرة القدم مجرد وسيلة لإلهاء الشعوب يا سيدي احنا راضيين نتلهى، وانت اتلهى. نتلهى عن الأسعار التي لا تهدأ، وعن الأخبار التي لا تنتهي، وعن الضغوط التي تلتهم أعصاب الناس كل يوم.

دع الملايين ينسون همومهم، ويرفعون علم بلدهم، ويفتخرون بوصول منتخبهم الوطني لدور الـ16 لأول مرة، وبرفع حسام حسن للعلم الفلسطيني على أرض الصهاينة، وبالاحتفالات في أرجاء الوطن العربي، والشوارع التي تلونت بألوان العلم مع الأغاني الوطنية حتى الصباح.

وإن كانت «الكرة أفيون الشعوب»، فمرحبًا بها إن كانت سببًا لعودة الشعور بالانتماء، فليست كل لحظة فرح مؤامرة، وليست كل ابتسامة دليلًا على الغفلة.

الشعوب لا تعيش بالخبز وحده، بل تعيش أيضًا بالأمل، وبالضحكة، وبالأغنية، وبإحساسها أنها تنتمي إلى مكان يستحق الحب.

ولهذا أسعدني صوت ابني أكثر مما أسعدتني الأغنية نفسها.

لأنني اكتشفت أن الانتماء لا يحتاج إلى محاضرات، ولا إلى شعارات تُرفع في المناسبات.

الانتماء يتسلل بهدوء، في أغنية يسمعها طفل، وفي علم يرفرف على شرفة، وفي أم تحكي ذكرياتها، وفي أب يفرح بهدف وكأنه هو من أحرزه.

ربما تغيرت طريقة التعبير، لكن المشاعر لم تمت.

جيلنا كان يهتف في المدرجات، وهذا الجيل قد يغني على طريقته، أو يعبر عنها في مقطع قصير، أو في تعليق بسيط. لا يهم الشكل.. المهم أن القلب ما زال يعرف الطريق.

أما هذا الجيل فقد حكمنا عليه بسرعة، واعتقدنا أن التكنولوجيا سلبته انتماءه، بينما الحقيقة أنها غيرت لغته فقط. أما حب الوطن.. فما زال يسكن القلوب.

وحين انتهى ابني من الغناء، ابتسمت وأنا أقول لنفسي: لا تقلقوا على مصر.. فالوطن الذي ما زال يُغنَّى له داخل البيوت، سيظل دائمًا يجد من يحبه. وحتى الآن أتساءل: يا مصر بتعمليها إزاي.

اقرأ أيضاًصاحب أغنية «يا مصر بتعمليها إزاي؟» يكشف كواليسها كتابتها «فيديو»

«طنطا للموسيقى العربية» تُحيي احتفالية ثقافة الغربية بذكرى ثورة 30 يونيو

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts