مقالات

سن الحضانة في ميزان الشريعة والقانون – الأسبوع

تظل قضية الحضانة واحدة من أكثر القضايا الشائكة في محاكم الأسرة المصرية، والتي تمس بشكل مباشر مصير الأطفال واستقرارهم النفسي والاجتماعي. ويتساءل الكثير من الآباء والأمهات: من الأحق بحضانة الطفل؟ وإلى أي سن تستمر؟ وماذا بعد ذلك؟

أولاً: مفهوم الحضانة في الشريعة الإسلامية

الحضانة في اللغة هي الضم والتربية، وفي الاصطلاح الشرعي هي القيام بحفظ من لا يستقل بأمر نفسه، وتربيته بما يصلحه، والقيام على شؤونه.

والحضانة حق مشترك بين الحاضن والمحضون. فهي حق للصغير في أن يجد من يرعاه، وهي في نفس الوقت حق لمن يقوم بها. والدليل على ذلك قوله تعالى: “وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ” [البقرة: 233] وهذا يدل على أن الأصل هو بقاء الطفل مع أمه في سنواته الأولى.

ثانياً: ترتيب أصحاب الحق في الحضانة

استقر الفقهاء على ترتيب معين لأصحاب الحق في الحضانة، والهدف منه هو توفير البيئة الأنسب للطفل.

والترتيب المتفق عليه عند جمهور الفقهاء هو:

الأم، ثم أم الأم وإن علت، ثم أم الأب وإن علت، ثم الأخوات الشقيقات، ثم الأخوات لأم، ثم الأخوات لأب، ثم الخالات، ثم بنات الأخت، ثم بنات الأخ، ثم العصبات من الرجال حسب ترتيب الإرث.

ومع ذلك فإن هذا الترتيب ليس جامداً، فالقاضي ينظر في النهاية إلى “مصلحة المحضون” وهي القاعدة الذهبية في كل قضايا الأسرة.

ثالثاً: سن الحضانة.. إلى متى تستمر؟

اختلفت المذاهب الفقهية الأربعة في تحديد سن معين لانتهاء حضانة النساء:

1. الحنفية والحنابلة: يرون أن حضانة الذكر تنتهي ببلوغه 7 سنوات، والأنثى 9 سنوات.

2. المالكية: يرون أن حضانة الذكر تنتهي ببلوغه والقدرة على خدمة نفسه، والأنثى حتى تتزوج.

3. الشافعية: يرون أن الحضانة تنتهي ببلوغ الطفل سن التمييز للذكر والأنثى.

رابعاً: موقف القانون المصري.

أخذ المشرع المصري برأي وسط يجمع بين الآراء الفقهية وبين الواقع الاجتماعي. فنصت المادة 20 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون 100 لسنة 1985 على أن:

“ينتهي حق حضانة النساء ببلوغ الصغير والصغيرة سن خمس عشرة سنة، ويخير القاضي الصغير والصغيرة بعد بلوغ هذه السن في البقاء في يد الحاضنة بدون أجر حضانة وذلك حتى يبلغ الصغير سن الرشد وحتى تتزوج الصغيرة”.

ويتضح من هذا النص 3 نقاط مهمة:

1. الـ 15 سنة سن تخيير وليس إسقاط: بمعنى أن الحضانة لا تسقط تلقائياً. بل يُعرض الأمر على الطفل ويُخير بين البقاء مع الأم أو الانتقال للأب.

2. سلطة القاضي التقديرية: حتى لو اختار الطفل البقاء مع الأم، للقاضي أن يرفض ذلك إذا رأى أن مصلحة الطفل تقتضي غير ذلك.

3. التمييز بين الذكر والأنثى: يستمر الذكر مع من يختاره حتى يبلغ 21 سنة، وتستمر البنت حتى تتزوج.

خامساً: هل زواج الأم يسقط حقها في الحضانة؟*

الأصل في الفقه أن زواج الأم من أجنبي عن المحضون يسقط حقها في الحضانة، وتنتقل لمن يليها في الترتيب. والحكمة من ذلك هي الخوف على الطفل من وجود رجل غريب في البيت.

ولكن القانون المصري أضاف استثناءً مهماً، فإذا رأى القاضي أن مصلحة الصغير تقتضي بقاءه مع الأم رغم زواجها، فله أن يبقيه معها. ويحدث ذلك كثيراً إذا كان الزوج الجديد رجلاً صالحاً ولا يمانع في وجود الطفل.

سادساً: حالات إسقاط الحضانة الأخرى.

هناك أسباب أخرى لإسقاط الحضانة عن الأم أو الحاضنة، منها:

1. الجنون أو المرض المعدي: إذا أصيبت الحاضنة بمرض يمنعها من رعاية الطفل.

2. عدم الأمانة: كأن تكون سيئة السمعة أو مدمنة.

3. السفر بالمحضون: سفر الحاضنة بالطفل إلى بلد يصعب معه على الأب رؤية ابنه.

4. إهمال الطفل: وعدم القيام بواجبات الرعاية.

.سابعاً: رؤية شرعية معاصرة.

الغاية من تشريع الحضانة هي مصلحة الطفل. الشريعة جاءت لحفظ النفس والنسل. فإذا كان بقاء الطفل مع أمه 15 سنة يحقق له الاستقرار النفسي والعاطفي، ثم نُخيره بعد ذلك، فهذا هو عين العدل.

ويحتاج المجتمع إلى توعية بأن الحضانة ليست “غنيمة حرب” بين الزوجين، بل هي مسؤولية وأمانة. وعلى الأب والأم أن يتعاونا من أجل الطفل حتى بعد الانفصال.

الخلاصة

1. الأصل: الحضانة للأم في السنوات الأولى للطفل.

2. السن القانوني: 15 سنة وبعدها يُخير الطفل أمام القاضي.

3. المعيار: مصلحة المحضون فوق كل اعتبار.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts