سلاح بدون ترخيص.. ! – الأسبوع

سلاح بدون ترخيص.. ! – الأسبوع

لم يعد السلاح في عصرنا الحالي مجرد قطعة حديدية محشوة بالبارود تطلق الرصاص، بل تحول إلى مستطيل زجاجي صغير يحمله الصغير والكبير.. إنها كاميرا التليفون المحمول، ذلك الاختراع الذي وُجد لتوثيق اللحظات الجميلة وتقريب المسافات، لكنه انحرف عن مساره – خاصة في بلادنا- ليتحول في يد الكثيرين إلى “سلاح بدون ترخيص”، يطلق أحكاماً عشوائية لا ترحم، ويصيب الضحايا في مقتل معنوي ونفسي صعب الشفاء منه

اليوم، يقف المجتمع أمام ظاهرة مرعبة، حيث بات الجميع يصور بلا أدنى مسؤولية، وينشر بلا وعي، في سباق محموم نحو الشهرة الافتراضية والـ “الترند ” على حساب كرامة الإنسان.

إن الأخطر في هذه القضية ليس مجرد التقاط الصور، بل غياب الوعي الأخلاقي والقانوني لدى “المصور الفضولي”غير المسؤول لقد تحول المواطن العادي إلى “صحفي عشوائي” يرى في مصائب الآخرين، أو سقطاتهم، أو حتى في كفاحهم اليومي، مادة دسمة لزيادة عدد المتابعين..

الكل يصور والكل ينشر، دون تفكير في العواقب، ودون وازع من ضمير يحذرهم من أن هذه اللقطة المجتزأة قد تدمر عائلة بأكملها أو تنهي مستقبل إنسان وتجرح كبرياءه.

ولدينا في الواقع عشرات الحالات لضحايا دفعوا ثمناً باهظاً لعدسات لا ترحم، ولعل أبرزهم وأحدثهم قصة “رامي”.

رامي، ذلك الرجل المكافح الذي انتشرت صوره وفيديوهاته كالنار في الهشيم وهو يجمع الخردة، ليتلقفها الفضاء الإلكتروني بنظرات العطف المصطنعة أو السخرية، دون أن يدري أحد بحقيقته.. رامي في الأصل ليس مجرد عابر سبيل، بل هو تجسيد لـ “الصنايعي الدمياطي”الشاطر المحترف، الرجل الجدع الطيب الذي كان يدير ورشة ومصنعاً كما يروي الزميل الصحفي محمد سامي ويمتلك صنعة ذهبية لو قضى مصوره مليار سنة لن يتعلمها.. لكن تبدل الأحوال وضيق ذات اليد دفعاه للعمل في أي شيء ليكسب قوته بالحلال، فجاءت كاميرا طائشة، بلا وعي وبلاضمير يملكها شخص بلا مسؤولية ولا مروءة، لتوثق لحظة كفاحه وكأنها “انكسار”، وتتاجر بنظرة عينيه التي تلخص وجع كل أصحاب الورش الذين دارت عليهم الأيام.

وما يزيد الطين بلة، هو الدور السلبي الذي تلعبه بعض الصحف والمواقع الإخبارية.. فبدلاً من أن تكون هذه المنصات حصناً للحقيقة، نجدها تتلقف تلك المقاطع والصور بلهفة شديدة، دون دراسة أو تدقيق.. تصبح المادة “الخام” التي التقطها هاوٍ عنواناً رئيسياً في موقع يبحث عن المشاهدات يُعاد تدوير الحدث ويُقدّم للجمهور كوليمة رقمية، لتتحول الصحافة من مهنة للتحقق، إلى آلة ضخمة لإعادة تقيؤ الصور بلا رحمة.

هناك عشرات القصص لعشرات الضحايا لهذا السلاح القذر وسمعت قصص لاناس يرفضن ركوب المصاعد مع غرباء وأن يقفوا على بعد أمتار من النساء في المواصلات العامة واصحاب سيارات خاصة يتجنبون فعل الخيرات خشية أن يشهر في وجوههم هذا السلاح الرخيص.

في الختام، يجب أن ندرك أن التكنولوجيا في ذاتها أداة محايدة، ونحن من نمنحها شرف الاستخدام أو دناءة وقذارة وانحطاط التوظيف فالسكين نقطع به قطعة تورته في لحظات الفرح وهناك من يقتل به.

إن حرية التصوير تنتهي تماماً عندما تبدأ حرية الآخرين وخصوصيتهم وكبرياؤهم.

نحن بحاجة ماسة اليوم إلى تفعيل القوانين الصارمة ضد الجرائم الإلكترونية، ومنها التصوير بغير ضوابط وتغليظ العقوبات على المواقع التي تنشر دون تحقق.. ولكن قبل القانون، نحن بحاجة إلى “ترخيص أخلاقي” يحمله كل فرد في ضميره قبل أن يرفع هاتفه ليصور، فالسُمعة والكرامة الإنسانية ليست محتوى يُباع ويُشترى من أجل بضع نقرات أو تفاعلات وهمية.. احذروا الشاشات فإن بعض التصوير قتل.. وبعض من يشهرونها في وجه الأبرياء مجرمين.

Exit mobile version