مقالات

من يريد جرَّ مصر إلى قلب الحرب؟ – الأسبوع

لم يعد ما يجري في المنطقة مجرد تبادلٍ للضربات العسكرية، بل أصبح صراعًا مفتوحًا على رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، تُستخدم فيه الصواريخ والمسيّرات، كما تُستخدم الشائعات والمنصات الإعلامية والحروب النفسية.

وفي خضم هذا المشهد المشتعل، تبدو مصر هدفًا لمحاولات متكررة لجرّها إلى مواجهةٍ لا تخدم أمنها القومي، ولا تحقق الاستقرار للمنطقة، بل تفتح أبوابًا لفوضى لا يعلم مداها إلا الله.

حادث ميناء دمياط لم يكن مجرد واقعة أمنية عابرة، بل تحول خلال ساعات إلى مادة لتفسيرات وتحليلات واستنتاجات متسرعة، وخرجت أصوات تدعو إلى ردود عسكرية فورية، وكأن المطلوب هو دفع الدولة المصرية إلى اتخاذ قرار تحت ضغط الانفعال، لا وفق حسابات الدولة ومصالحها العليا.

مصر، كعادتها، تعاملت مع الموقف بمنطق الدولة لا بمنطق ردود الأفعال، وتركت للجهات المختصة إعلان ما لديها من معلومات وفق الأطر الرسمية، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي ومحاولات استباق النتائج. فالدول لا تُدار بمنشورات مواقع التواصل، ولا تتخذ قراراتها تحت ضغط الحملات الإلكترونية أو المزايدات السياسية.

المشهد الإقليمي يؤكد أن رقعة الصراع تتسع يومًا بعد يوم، وأن دولًا عربية أصبحت تجد نفسها في قلب تداعيات حرب لم تكن طرفًا فيها. وكلما اتسعت الجغرافيا العسكرية، زادت المخاطر على أمن المنطقة، وارتفعت احتمالات وقوع مواجهات غير محسوبة قد تدفع الجميع إلى صراع إقليمي واسع.

ومن حق كل متابع أن يتساءل: من المستفيد الحقيقي من إشعال مزيد من الجبهات؟ ومن الذي يربح عندما تدخل الدول العربية واحدة تلو الأخرى في دائرة المواجهة؟ المؤكد أن الخاسر الأول سيكون شعوب المنطقة واقتصاداتها واستقرارها، بينما يستفيد من ذلك كل من يريد شرقًا أوسط غارقًا في الأزمات والحروب.

أما مصر، فهي تدرك أن حماية أمنها القومي لا تكون بالشعارات، وإنما بحسابات دقيقة، وأن قرارها الوطني لا يُفرض من الخارج، ولا يُصنع تحت ضغط حملات إعلامية أو تصريحات سياسية. وإذا تعرضت السيادة المصرية لأي اعتداء، فإن مؤسسات الدولة وحدها هي صاحبة القرار في تحديد طبيعة الرد وتوقيته، بما يحقق المصلحة الوطنية ويحفظ أمن البلاد.

لقد أثبتت الأحداث أن القاهرة ما زالت تمثل أحد أهم ركائز التوازن في المنطقة، وأن دورها في منع اتساع الصراع لا يقل أهمية عن قدرتها على حماية حدودها ومصالحها. ولهذا فإن جرّ مصر إلى حرب مباشرة لن يكون في مصلحة المنطقة، بل سيزيد المشهد اشتعالًا، وهو ما تسعى الدولة إلى تجنبه بحكمة، مع تمسكها الكامل بحقها في حماية أمنها وسيادتها.

في زمن تتداخل فيه المعركة العسكرية مع الحرب الإعلامية، يصبح الوعي الوطني هو خط الدفاع الأول، ويصبح التحقق من المعلومات واجبًا، لا ترفًا. فالأوطان لا تُحمى بالشائعات، ولا بالمزايدات، وإنما بوحدة الصف، والثقة في مؤسسات الدولة، والإدراك بأن أخطر الحروب هي تلك التي تُدار بالعقول قبل أن تُدار بالسلاح.، ، !!

محمد سعد عبد اللطيف،

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

اقرأ أيضاًرئيس الوزراء يعلن انتظام العمل بميناء دمياط بعد حادث الحريق واستمرار حركة السفن

البحرين تدين استهداف سفينتين في دمياط وتؤكد دعمها لإجراءات مصر لحماية أمنها القومي

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts