ليست كل زيارة يقوم بها رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي المحتل إلى واشنطن زيارةً سياسيةً عادية. فهناك لقاءات تبدأ داخل الغرف المغلقة، لكنها تنتهي بتغيير موازين القوى في المنطقة. ولهذا جاءت زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن محاطةً باهتمام غير مسبوق، خاصةً أنها جاءت في وقت تتصاعد فيه المواجهة غير المباشرة مع إيران، وتتزايد فيه التقارير الإعلامية الغربية عن احتمال استهداف منشآت الطاقة الإيرانية.
الزيارة، التي استمرت عدة أيام، شهدت لقاءات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار مسؤولي الإدارة الأمريكية، وكان الملف الإيراني في صدارة المباحثات، إلى جانب تطورات غزة ولبنان ومستقبل الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط. وما صدر رسميًا أكد استمرار التنسيق بين واشنطن وتل أبيب، أما ما يدور خلف الكواليس فلا يزال محل تكهنات وتحليلات سياسية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا جاء نتنياهو إلى واشنطن في هذا التوقيت تحديدًا؟
قد تكون الإجابة مرتبطة بمرحلة جديدة من الصراع. فالتقارير الأمريكية التي تحدثت عن احتمال استهداف منشآت الطاقة الإيرانية تعني أن المواجهة قد تنتقل من استهداف المواقع العسكرية إلى ضرب مفاصل الاقتصاد والطاقة، وهي خطوة، إذا حدثت، ستفتح الباب أمام ردود فعل قد تمتد إلى أكثر من جبهة.
وفي خضم هذه التطورات، جاء حادث المسيّرة في ميناء دمياط ليضيف مزيدًا من الأسئلة. وحتى الآن، لم تعلن السلطات المصرية نتائج نهائية تثبت أن الحادث كان عملًا عدائيًا، ولم تظهر أدلة رسمية تربطه بأي دولة أو جهة. لكن تزامنه مع تصاعد التوتر الإقليمي جعل كثيرين يتساءلون عما إذا كانت المنطقة دخلت بالفعل مرحلة الرسائل المتبادلة عبر منشآت الطاقة والموانئ والممرات البحرية.
ومن اللافت أن شركة أمبري البريطانية، المتخصصة في الأمن البحري، كانت من أوائل الجهات التي رصدت تفاصيل الحادث، وهو ما يعكس حجم المتابعة الدولية لحركة الملاحة في البحر المتوسط، خاصةً مع تزايد أهمية المنطقة في تجارة الغاز والطاقة العالمية.
إذا كانت المواجهة المقبلة ستدور حول الطاقة، فإن البحر المتوسط والبحر الأحمر ومضيق هرمز لن تكون مجرد ممرات للملاحة، بل قد تتحول إلى ساحات ضغط استراتيجية تُستخدم فيها أدوات متعددة، تبدأ بالهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة، وقد تمتد إلى استهداف البنية التحتية الاقتصادية، وحرب المعلومات، والضغوط المالية.
ومع ذلك، يجب التفرقة بين الوقائع والسيناريوهات. فلا يوجد حتى الآن إعلان رسمي عن قرار أمريكي أو إسرائيلي بشن حرب شاملة، كما أن كثيرًا مما يُنشر يعتمد على تسريبات وتقارير إعلامية، وهو ما يستوجب التعامل معه بحذر حتى تتضح الصورة.
لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مختلفة. فالحروب لم تعد تُقاس بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل أصبحت تُدار بالاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والاستخبارات، وأصبح استهداف منشأة للطاقة قد يحقق تأثيرًا يفوق، أحيانًا، استهداف قاعدة عسكرية.
قد تكون زيارة نتنياهو إلى واشنطن جزءًا من سياسة الردع، وقد تكون خطوة لتنسيق خيارات عسكرية إذا فشلت المسارات السياسية، وقد تكون أيضًا محاولة لزيادة الضغوط على إيران قبل أي جولة تفاوض جديدة، وكل هذه الاحتمالات تبقى مطروحة ما لم تصدر قرارات رسمية تحسم اتجاه الأحداث.
ما يحدث اليوم يؤكد أن المنطقة تقترب من لحظة فارقة، فالقرارات التي تُتخذ داخل الغرف المغلقة قد تحدد شكل الشرق الأوسط لسنوات قادمة، وقد تكون معركة النفوذ والطاقة هي العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر العالم إجابته: هل كانت زيارة نتنياهو إلى واشنطن آخر محاولة لتثبيت معادلة الردع، أم أنها كانت تمهيدًا لمرحلة جديدة تتجاوز المواجهة التقليدية إلى حرب تستهدف الاقتصاد والطاقة والبنية التحتية في الشرق الأوسط؟
اقرأ أيضاًأستاذ علوم سياسية يوضح المسار الأنسب لإنهاء أزمة غزة
حماس: توافق وطني بين الفصائل الفلسطينية تجلى فيه روح الشراكة والمسؤولية
ترامب: الهجوم على الميليشيا الموالية لإيران في العراق تم بالتنسيق مع الحكومة العراقية









