مقالات

اعترافات الإرهابي أحمد عبد الباسط تُسقط أقنعة “المظلومية” – الأسبوع


تعود الآلة الإعلامية الإخوانية في شهر أغسطس من كل عام إلى ذات النغمة: التباكي على ما يُسمى “ضحايا فض الاعتصام”، باستدعاء الصور والمقاطع المكررة، وتسجيل أقوال من يزعمون أنهم شهود، وإطلاق نداءات الدكاكين الحقوقية. مظلومية كاذبة تُصنع موسميًا بعناية، يتباكون على ضحايا مزعومين في “رابعة والنهضة”، ويتناسون تمامًا من سقطوا برصاص مسلحيهم في شوارع مصر ومدنها وقراها خلال الأسابيع التي تلت فض التجمعات الإرهابية، ويمسحون من ذاكرتهم ضحايا الإرهاب الإخواني من الأبرياء الذين سالت دماؤهم في هجمات منظمة على أقسام ومراكز الشرطة، ودواوين المحافظات، والمؤسسات الحكومية، أو ممن قضوا نحبهم على أيدي مسلحين في مظاهرات زعموا أنها “سلمية”.

لكن الذاكرة تخونهم كثيرًا، ويسقط منها اعترافات متعددة بلسان إخواني، ومنها شهادة كتبها أحد قياداتهم بنفسه، عندما ظن أنه يسجل بطولة، فسجّل اعترافًا. هذه الشهادة كتبها الإخواني المصري أحمد عبد الباسط محمد بصفحته الموثقة عبر “الفيسبوك” في 16 أغسطس 2017، في ذكرى مرور أربع سنوات على أحداث ذلك اليوم الدامي. شهادة تستحق أن نقف عندها طويلاً لنقرأ ما قاله دون أن يدري.

كتب الإرهابي عبد الباسط شهادته في نقاط، سأثبتها كما كتبها تمامًا، ثم أعقب على كل منها بما تستحقه. قال في النقطة الأولى: “بدأ التجمع فى مسجد المغفرة بالمهندسين من قبل صلاة الجمعة بساعة كاملة والمسجد كان ممتلىء عن آخره.”

تأمل معي هذه البداية البريئة ظاهريًا، الإخواني يصف تجمعًا بدأ قبل صلاة الجمعة بساعة كاملة، أي أن الصلاة لم تكن هي الأصل، بل كانت غطاءً للتجمع، والمسجد تحول إلى نقطة حشد لا إلى بيت عبادة.

ثم يكمل في النقطة الثانية: “كنا ‘فى جبهة جامعات ضد الانقلاب’ دعونا أساتذة الجامعة للتظاهر والرد على فض رابعة والنهضة وبفضل الله حضر فى هذا اليوم حوالى 80 أستاذ جامعى منهم ناس تنزل لأول مرة فى المظاهرات وكان الأساتذة من معظم الجامعات المصرية.”

هنا الاعتراف الأول الصريح: المظاهرة لم تكن عفوية، ولم تكن “هبة شعبية” خرج فيها العشرات من أعضاء هيئات التدريس، وإنما كانت هناك جهة منظمة اسمها “جبهة جامعات ضد الانقلاب” تولت الدعوة والتنسيق والحشد.وبعضهم، كما يعترف، “ينزل لأول مرة في المظاهرات”، حيث استُخدموا كوقود إعلامي، كوجوه تُصورها الكاميرات لتُعرض على العالم صورة خادعة بعنوان: “حتى أساتذة الجامعات رفضوا ما حدث”.

ثم تأتي النقطة الثالثة: “تحركت المسيرة والتحمت بعشرات الآف من المهندسين والمساجد الأخرى واتجهت للسير على كوبرى 15 مايو.”

عشرات الآلاف، كما يقول، فمن أين جاؤوا؟ من مساجد ومواقع أخرى. كل مسجد تحول إلى نقطة حشد، وكل نقطة حشد ضخت أعدادها في المسيرة.. تنظيم محكم لا يختلف عن ترتيب الكتائب، فأين العفوية المزعومة؟

وفي النقطة الرابعة، يبدأ المشهد الدموي الذي سيكشف كل شيء: “بمجرد الصعود على كوبرى 15 مايو وبدأ الهتاف يرج الكوبرى والأعداد رهيبة وأساتذة الجامعات لأول مرة تنصهر مع الشباب وهتافات رهيبة فى كل مكان وبدأ الضرب من فوق العمارات المرتفعة على كوبرى 15 مايو (زجاجات مولوتوف وزجاجات بيبسى تلقى من أرتفاع عالى على الكوبرى و رصاص حى فى كل مكان) وبدأت الأصابات بين صفوف المتظاهرين وودب الفزغ فى كل مكان.”

الإرهابى أحمد عبد الباسط

لاحظ الوصف: “زجاجات مولوتوف” و”رصاص حي” يسقط من فوق العمارات.. من فوق العمارات! ادعاءات كاذبة أراد أن يلصقها بمواطنين اعتلوا مساكنهم لحمايتها. كاتب الشهادة يريد أن يقول إن الأهالي هم من بدأوا الاعتداء، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يرمي أهالي منطقة سكنية زجاجات المولوتوف على مظاهرة في الشارع؟ هل يفعل الناس هذا عادة مع أي مجموعات من البشر تمر بالقرب من بيوتهم؟ أم أنهم رأوا حشدًا هائجًا قادمًا باتجاه منطقتهم بعد يومين فقط من مشاهد مروعة في رابعة، فخافوا على بيوتهم وأولادهم ومتاجرهم ومصادر أقواتهم؟

ثم تأتي النقطة الخامسة، وهي مربط الفرس في كل هذه الشهادة: “من فضل الله وكرمه جاء رجل من أقصى الكوبرى يسعى الله اعلم تبع إيه معه سلاح وضرب به على البلطجية لفوق ليوقف كم الإصابات والإعتداءات على المتظاهرين الراجل ده أنقذ أرواح كثيرة جدًا من الموت وكان أمامنا بالظبط (هذه الصورة تم تداولها فى وسائل إعلام الفلول إن المتظاهرين معهم سلاح).”

هنا الاعتراف الذي يسقط كل شيء، رجل “معه سلاح”، رجل “ضرب به لفوق”.. كاتب الشهادة يزعم أنه لا يعرف من هو هذا الرجل، “الله أعلم تبع إيه” كما يقول، لكنه موجود في قلب المظاهرة، يحمل سلاحًا ناريًا، ويطلق الرصاص على مواطنين فوق أسطح منازلهم! والأدهى أن الكاتب يصفه بأنه “أنقذ أرواحًا كثيرة”، أي يصفه بأنه بطل!

والسؤال الأهم: كم ضحية سقطت برصاص هذا المسلح الذي وصفه عبد الباسط؟ الرجل لا يذكر عددًا بالطبع، لكنه يعترف بأن المسلح أطلق النار، أي أن ثمة إصابات وقعت، وثمة رصاص انطلق، وثمة دماء سالت. في اشتباكات من هذا النوع، لا يطلق المسلح النار في الهواء، وإنما يطلقها على بشر.. فكم من الضحايا سقط في ذلك اليوم برصاص “الرجل الذي جاء من أقصى الكوبري يسعى”؟

ما حدث على كوبري 15 مايو لم يكن حادثًا فرديًا ولا استثناءً، فخلال الأسابيع الأولى التي تلت فض اعتصام رابعة في 14 أغسطس 2013، اندلعت موجة عارمة من الإرهاب في مختلف محافظات مصر، نفذها أعضاء الجماعة وحلفاؤهم من الكيانات الإرهابية عمومًا، وكانت تستهدف بشكل ممنهج مؤسسات الدولة في خطة منسقة لإغراق البلاد في العنف والفوضى، وكانت بدايتها بمحاولات فاشلة لتحويل أهم ميادين القاهرة والجيزة وعدد من المحافظات إلى اعتصامات إرهابية بديلة.

كم مسلحًا ظهر في تلك الأحداث؟ شهادة أحمد عبد الباسط تعطينا نموذجًا مصغرًا: في مظاهرة واحدة، ظهر مسلح واحد على الأقل، بسلاح ناري، أطلق الرصاص على المواطنين. اضرب هذا في عدد المظاهرات التي خرجت في ذلك اليوم وفي الأيام التالية بالقاهرة والمحافظات.. كم مسلحًا كان في كل منها؟ وكم ضحية سقطت برصاصهم؟

هذه الشهادة، يا سادة، ليست شهادة براءة، إنها وثيقة إدانة كتبها إرهابي هارب من حكم بالإعدام وله صفحات مخزية في ملف أسود، ويكفيه فضيحة “شهادة سارة وأخواتها” من حليفات تنظيمه. أراد أن يقول: انظروا كم كنا مظلومين، فخرجت الكلمات لتقول شيئًا آخر تمامًا. فالجماعة التي تتباكى موسميًا على “ضحايا فض الاعتصام” هي ذات الجماعة التي ظهر بين صفوفها مسلحون يطلقون الرصاص على أبناء مصر. هم يريدون من العالم أن ينسى كل هذا، وأن يتذكر فقط صور القتلى المزعومين في “رابعة”، كأن التاريخ بدأ عندهم وانتهى هناك!

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts