مقالات

الفرح بذكرى مولد سيد الخلق – الأسبوع


إبراهيم نصر

إبراهيم نصر

تمثل ذكرى مولد سيد الخلق سيدنا محمد، عليه الصلاة والسلام، مناسبة إيمانية جليلة تتجدد فيها معاني المحبة والوفاء للرسول الأعظم، وتتعدد مظاهر هذه المناسبة من قراءة للقرآن الكريم، واستعراض للخصائل النبوية، وإطعام للطعام، ونشر للخير بين الناس. واستند جمهور العلماء عبر العصور إلى أدلة شرعية جلية تؤكد حسن هذه المناسبة ومشروعيتها، وفي مقدمتها عموم الأمر الإلهي بالفرح بفضل الله ورحمته كما جاء في قوله تعالى: “قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون” (سورة يونس: الآية 58)، وأعظم الرحمات المهداة للبشرية قاطبة هي بعثة صاحب الرسالة خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

كما يتجلي التأسيس القرآني لهذه المناسبة في قوله تعالى: “وذكرهم بأيام الله” (سورة إبراهيم: الآية 5)، إذ يقرر أهل التفسير أن “أيام الله” هي أوقات نعمه ونقمه على عباده، ولا ريب في أن يوم مولد المصطفى، عليه الصلاة والسلام، هو من أعظم أيام الله خيرا وبركة على العالمين، فيكون التذكير به وإظهار الفرح بقدومه امتثالا مباشرا لهذا التوجيه الإلهي. ويستدل كذلك بصيامه، عليه الصلاة والسلام، ليوم الاثنين شكراً لله على يوم ولادته وبعثته، وهو ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، ليؤكد أن أصل الشكر والتذكر لنعمة إيجاده، عليه الصلاة والسلام، أمر محبب ومستقر في عمق الممارسة النبوية.

وفي المقابل، يطرح المعترضون على الاحتفال شبهة أنه “بدعة” لم يقم بها السلف الصالح، وهو طرح يرد عليه العلماء بتوضيح الفارق الأصولي بين مفهوم البدعة الضالة والبدعة الحسنة، إذ إن البدعة المذمومة هي ما يستحدث على خلاف الكتاب والسنة والإجماع، بينما يندرج إظهار الفرح وسرد السيرة النبوية تحت باب “السنة الحسنة” استنادا للحديث النبوي الشريف في صحيح مسلم الذي يندب إلى سن ما فيه خير للمسلمين. وتؤكد القواعد الأصولية المستقرة أن مجرد ترك النبي، عليه الصلاة والسلام، أو صحابته لأمر ما لا يفيد تحريمه حتما، وإلا لحرم جمع المصحف وتدوين العلوم الشرعية، والتي جرت لمصلحة راجحة دون مخالفة للأصول.

وقد فاضت كتب كبار أئمة الإسلام ببيان هذا الرأي واستحسانه، حيث استخرج الحافظ ابن حجر العسقلاني أصل الاحتفال واستنبطه من حديث نبوي شريف وارد في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، قال: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه، وأمر بصيامه”. وقد أوضح ابن حجر أن هذا الحديث يستفاد منه فعل الشكر لله على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، ولا توجد نعمة أعظم من ظهور نبي الرحمة في ذلك اليوم.

كما جاء الحافظ السيوطي ليرسخ هذا الفهم في رسالته الشهيرة في المولد، موضحا أن الاجتماع والذكر وإطعام الطعام من البدع الحسنة التي يثاب صاحبها لما فيها من تعظيم لقدر النبوة. وبذلك يتضح أن الاحتفال ليس إيجادا لعبادة جديدة، بل هو تجديد للعهد وفرصة لربط الأجيال بسيرة صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم.

[email protected]

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts