مقالات

الشرق الأوسط يشتعل.. والعالم أمام اختبار جديد – الأسبوع


د. طارق هلال

من هرمز إلى اليمن، ومن غزة ولبنان وسوريا إلى أوكرانيا.. جبهات متعددة تتشابك، واقتصاد عالمي يدفع الثمن.

هناك لحظات في التاريخ لا تبدأ فيها حرب واحدة، وإنما تتجمع أزمات عديدة في وقت واحد، حتى يبدو العالم وكأنه يتحرك فوق أرض شديدة الاشتعال. وهذا هو المشهد الذي يفرض نفسه اليوم، من الخليج ومضيق هرمز، إلى البحر الأحمر واليمن، ومن غزة ولبنان إلى سوريا، بالتوازي مع استمرار الحرب الروسية- الأوكرانية، بينما تتحمل الأسواق والاقتصادات فاتورة هذا التصعيد المتواصل.

المشهد الأخطر ليس في وجود جبهات متعددة فقط، وإنما في أن هذه الجبهات بدأت تتداخل اقتصاديا وسياسيا وأمنيا. فالصراع حول إيران لم يعد مسألة عسكرية بحتة، إذ انتقلت واشنطن إلى مرحلة جديدة من الضغط الاقتصادي، مع تهديد الدول والشركات والمؤسسات التي توفر لطهران منافذ مالية أو تجارية، بينما يظل مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح الأزمة. وفي الوقت نفسه، تعمل الولايات المتحدة على تأمين حركة ناقلات النفط عبر مسارات بحرية محددة، في محاولة للحفاظ على تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الحرب التي تستهدف إيران قد تتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية إذا طال أمد اضطراب الطاقة. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، إنه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. وكلما طال عدم اليقين حول الملاحة فيه، ارتفعت تكلفة التأمين والشحن والطاقة، وانتقلت آثار الصراع من المنطقة إلى المصانع والأسواق والمستهلكين في مختلف القارات.

والاقتصاد العالمي بالفعل يدخل هذه المرحلة وهو أقل قدرة على تحمل صدمات جديدة. فصندوق النقد الدولي يتوقع نموا عالميا عند 3% في 2026، لكنه يتوقع ارتفاع التضخم إلى 4.7%، بينما حذر البنك الدولي من أن استمرار اضطرابات الطاقة والضغوط المالية قد يدفع النمو العالمي إلى مستويات أكثر انخفاضا بكثير.

ولم يعد الاقتصاد مجرد ضحية للحرب، بل أصبح أحد أدواتها. فالعقوبات، وحظر التصدير، والضغط على العملات، والسيطرة على الممرات البحرية، وتهديد سلاسل الإمداد، كلها تحولت إلى أدوات ضغط لا تقل أهمية عن القوة العسكرية. ومن هنا فإن الحرب الحديثة لا تقاس فقط بعدد الطائرات التي تحلق أو الصواريخ التي تطلق، وإنما بقدرة الدولة على الصمود اقتصاديا واستمرار مؤسساتها وأسواقها وسلاسل إمدادها.

وفي اليمن، لا تكمن خطورة الحوثيين في البعد الداخلي للصراع فقط، وإنما في الموقع الجغرافي الذي يجعل أي تصعيد هناك مرتبطا مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب. ولهذا فإن استقرار اليمن لم يعد شأنا يمنيا أو إقليميًا محدودا، وإنما أصبح جزءا من معادلة أمن التجارة العالمية.

وهنا تتضح خطورة الربط بين هرمز وباب المندب، فاضطراب الممرين في الوقت نفسه يعني أن أزمة الشرق الأوسط يمكن أن تتحول إلى أزمة في التجارة العالمية، وليس فقط في أمن المنطقة.

أما على مستوى التوازنات الإقليمية، فإن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل تطورا بالغ الدلالة. فالاتفاق الذي يقوم على اعتبار الاعتداء على أحد الأطراف اعتداءً على الأطراف الأخرى، ويفتح المجال للتعاون العسكري والتدريبات وتطوير الصناعات الدفاعية، يعكس رغبة متزايدة لدى قوى إقليمية في امتلاك قدر أكبر من القدرة على حماية مصالحها.

والأهم أن اتفاق مكة يأتي في لحظة تتراجع فيها الثقة في قدرة الترتيبات التقليدية على منع الصراعات، ولذلك قد يكون هدفه الحقيقي أبعد من الدفاع المشترك، أي بناء قدرة إقليمية على الردع والتنسيق وإدارة الأزمات. وإذا اتسع هذا الإطار مستقبلا بانضمام دول أخرى، فقد نكون أمام بداية انتقال تدريجي من أمن تصنعه القوى الكبرى للمنطقة، إلى ترتيبات أمنية تسعى دول المنطقة إلى صناعتها بنفسها.

وفي غزة، لا تزال الحرب السياسية والعسكرية مستمرة في الوقت نفسه. هناك مسار أمريكي لإقامة قوة استقرار دولية وإعادة إعمار القطاع، وقد خصصت واشنطن أكثر من 206 ملايين دولار لدعم القوة المقترحة، لكن العقبة الرئيسية ما زالت قائمة: إسرائيل تربط الانسحاب بنزع سلاح حماس، بينما تربط حماس نزع السلاح بانسحاب إسرائيل وضمانات سياسية وأمنية.

وهذا يعني أن وقف إطلاق النار وحده لا يكفي لإنهاء الأزمة، لأن السؤال الأصعب هو: من يحكم غزة؟ ومن يضمن أمنها؟ ومن يعيد إعمارها؟ ومن يمتلك السلاح؟ ومن يتحمل تكلفة إعادة بناء ما دمرته الحرب؟

وفي لبنان، لا تزال الجبهة الجنوبية قابلة للاشتعال في أي لحظة، مع استمرار الضربات الإسرائيلية وتصاعد الخلاف حول سلاح حزب الله ومستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب. وهنا أيضا تظهر مشكلة جوهرية: لا يمكن بناء استقرار دائم في لبنان من دون معالجة العلاقة بين الدولة والسلاح والسيادة ضمن توافق لبنانى يحفظ استقرار الدولة ومصالحها، وفي الوقت نفسه لا يمكن تجاهل الظروف الإقليمية التي تجعل لبنان جزءا من صراع أوسع من حدوده.

أما سوريا، فتبدو وكأنها تتحول تدريجيا إلى ساحة تنافس جديدة. الضربة الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور، والتوتر المتزايد مع تركيا، يكشفان أن الصراع على سوريا لم يعد مرتبطا فقط بإيران أو الجماعات المسلحة، وإنما بدأ يتصل أيضا بتنافس إسرائيلي- تركي على شكل الدولة السورية ومستقبل ترتيباتها العسكرية والأمنية.

وفي الجهة الأخرى من العالم، لم تتوقف الحرب الروسية- الأوكرانية. بل إن التطورات الأخيرة تؤكد أن الصراع ما زال قادرا على إنتاج موجات جديدة من التصعيد، في الوقت الذي تواجه فيه روسيا ضغوطا على قطاع الطاقة والوقود نتيجة الضربات الأوكرانية، بينما تتواصل الهجمات الروسية بعيدة المدى على المدن والبنية التحتية الأوكرانية.

وهنا تكمن إحدى أخطر سمات المرحلة الراهنة: لم تعد الحروب منفصلة جغرافيا. فالحرب في أوكرانيا تؤثر في الطاقة والغذاء والأسواق الأوروبية، بينما يؤثر الصراع في الشرق الأوسط في النفط والملاحة والتجارة العالمية، وفي الحالتين تصبح الدول الكبرى مضطرة إلى توزيع مواردها العسكرية والاقتصادية بين أكثر من مسرح.

وهنا تتقاطع الحربان: أوروبا تواجه حربا في الشرق، والشرق الأوسط يواجه حربا على الطاقة والممرات، والعالم كله يتحمل التكلفة الاقتصادية، فارتفاع أسعار الطاقة لا يعني فقط ارتفاع سعر الوقود، وإنما يمتد إلى النقل والإنتاج والغذاء والتأمين، ويضغط على الموازنات الحكومية، ويعيد التضخم إلى الواجهة، ويؤجل قرارات الاستثمار.

ومن ثم، فإن الأزمة الحالية يجب ألا تقرأ باعتبارها مجموعة أخبار منفصلة: إيران، هرمز، اليمن، غزة، لبنان، سوريا، أوكرانيا. إنها في حقيقتها أزمة إعادة تشكيل للنظام الإقليمي والدولي.

هناك قوى تحاول الحفاظ على نفوذها، وقوى تسعى إلى إعادة بناء نفوذها، ودول إقليمية تتحرك لتقليل اعتمادها على الآخرين، بينما أصبحت الممرات البحرية والطاقة والغذاء والتكنولوجيا عناصر أساسية في معادلة القوة.

وفي قلب هذا المشهد تقف مصر أمام اختبار مختلف، فهي ليست مجرد دولة تتأثر بتداعيات ما يجري حولها، وإنما دولة تقع في قلب معادلة الإقليم بحكم موقعها وثقلها السياسي ودورها في إدارة أزماته. فمن غزة إلى البحر الأحمر، ومن باب المندب إلى قناة السويس، تتقاطع مصالح مصر مع أهم ملفات المنطقة. وأي اضطراب ممتد في هذه الدوائر لا ينعكس فقط على حركة الملاحة وإيرادات قناة السويس، وإنما يمتد إلى أمن الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. ولذلك تتحرك مصر في مساحة دقيقة تجمع بين حماية مصالحها، ودعم استقرار محيطها، والحفاظ على قنوات الاتصال والوساطة، مع تجنب الانخراط في صراعات مفتوحة لا تخدم مصالحها. وفي عالم تتغير فيه التحالفات وتتعدد فيه مراكز القوة، تصبح قدرة مصر على الحفاظ على توازنها، وتأمين حدودها وممراتها، وتنويع شراكاتها، والاحتفاظ بدورها السياسي، جزءا أساسيا من قدرتها على التعامل مع المرحلة المقبلة.

إن الخطر الحقيقي ليس أن تشتعل جبهة جديدة، وإنما أن تتصل الجبهات المشتعلة ببعضها البعض. فعندما تتزامن أزمة الطاقة مع اضطراب الممرات البحرية، والحروب الإقليمية مع التوترات الدولية، والعقوبات الاقتصادية مع أزمات الغذاء والأسواق، يصبح العالم أمام منظومة أزمات يصعب احتواء كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى.

لذلك، فإن الشرق الأوسط اليوم لا يعيش مجرد «التهاب متعدد الجبهات»، وإنما يقف أمام اختبار حقيقي لقدرة القوى الإقليمية والدولية على إدارة الصراع قبل أن يتحول من أزمات متزامنة إلى أزمة واحدة شاملة.

وفي عالم لم تعد فيه الحرب تبدأ بالضرورة بصاروخ، بل قد تبدأ بعقوبة اقتصادية، أو بإغلاق ممر بحري، أو بقطع إمدادات الطاقة، فإن معركة المستقبل لن تكون فقط على الأرض.. وإنما على قدرة الدول والمجتمعات على الصمود.

وهنا يتحدد مستقبل المنطقة: هل تنجح الدبلوماسية في إطفاء بؤر الاشتعال، أم أن الشرق الأوسط سيظل الشرارة التي يدفع العالم كله ثمنها؟

اقرأ أيضاحين تتغير المجتمعات دون أن تشعر… من يدير «التغيير الناعم»؟

حين تعيد الحرب تشكيل التحالفات.. الشرق الأوسط أمام معادلة جديدة

جحا في عصر الذكاء الاصطناعي (7)

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts