تهاني تركي
تهاني تركي
وكأن حاجز الستر والخصوصية وأسرار البيوت قد تهدم، ولم يبق منه إلا بقايا من حياء كان يومًا يغلف حياتنا، وبقايا أخلاق كانت يومًا تردع تصرفاتنا وتحكمها، فما حدث خلال السنوات القليلة الماضية من تناول الخلافات بل والفضائح الأسرية على الملأ بلا أدنى اعتبارات لقدسية الحياة الزوجية ولا علاقات النسب والمصاهرة أصبح أمرًا مستغربًا بل ومستحدثًا على مجتمعنا الذى ظل لسنوات ليست بعيدة يظلل الستر جدران بيوته.
الواقعة التى انتشرت تفاصيلها على معظم المواقع فى الأيام القليلة الماضية والتى كانت بطلتها زوجة شابة تم سحلها فى الشارع من قبل والدي زوجها، على إثر خلاف على مائة جنيه، هى واقعة، كانت لم ولن تحدث إذا كانت هناك حكمة من الأهل فى التعامل مع الخلافات والنزاعات الأسرية، أو كان هناك أهل الخير والحكماء الذين يتدخلون لفض مثل تلك المنازعات العائلية، وكانوا فى السابق لهم كلمة مسموعة، لأنها موزونة وتعيد الحق لأصحابه.
يبدو أن تلك الحكمة قد توارت، فلم يسمع أحد لوصية عاقل، ولم يطفئ الأهل نار الخلاف فى مهدها، وبالتالي أصبحنا نفاجأ بالفضائح الأسرية، وقد ملأت فضاءات السوشيال ميديا، بعد أن غزت كاميرات الموبايل حياتنا بشكل يهدد البقية الباقية من “ستر” بيوتنا.. حكايات الخلافات الزوجية كثيرة ولها انعكاسات على كل أطرافها سواء الزوجين أو الأبناء أو حتى الأهل، ذلك لأن كل هذه الأطراف تدفع ثمن الزيجة الفاشلة، ومع احتدام الخلاف والوصول الى نقطة اللا عودة فى النزاعات، يستخدم كل طرف ما يتراءى له من أسلحة حتى لو كانت الفضائح، لنفيق كل يوم على حكاية جديدة فى مسلسل يبدو أنه لن ينتهي.
لماذا يتهاون البعض فى نشر خصوصيات البيوت على الملأ؟ سؤال يلزم الإجابة عليه مناقشة الأسباب التي أدت لتوغل هذه الظاهرة فى الآونة الأخيرة، وعليه لا نقول إن فضح الخصوصيات ظاهرة جديدة، ولكن انتشارها على مرأى ومسمع القاصي والداني هو الجديد، فالخلافات الأسرية التى كان يمكن تحجيمها، وحلها فى الماضي أصبحت اليوم وبحكم انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وجبة دسمة لجمهور ينتظر كل ما يعرض عليه ليدلي فيه بدلوه، ويقف مع هذا الطرف أو ذاك، ويظل التريند وبالتالي نسبة المشاركة والمشاهدات مرتفعة لعدة أيام، قبل أن يخفت بريقها لصالح حكاية أخرى.
بالطبع الخلافات توغر الصدور، وتولد حالة من العداء بين طرفي الخلاف، وبالتالي يبحث كل طرف عما يشكل ضغطًا على الطرف الآخر، ولأن تناول مواقع التواصل لأى قضية أصبح الطريق الأيسر لتسليط الضوء عليها، بل وحصول الطرف المظلوم على حقه فى بعض الأحيان، تنازل طرف عن خصوصياته وخرج ليعلن أصل الخلاف، ولأن معظم هؤلاء أناس بسطاء وثقافتهم محدودة، فإنهم ينجرون إلى سحر، وبريق الكاميرات ويتمادون فى كشف المستور، ليخرج الطرف الآخر، ويرد عبر نفس الكاميرات، ليدخل جمهور المتابعين كطرف ثالث، وتشتعل الصفحات بالحدث، ولا عزاء لأى اعتبارات أخلاقية ولا اجتماعية، تردع فضح حرمة البيوت.
لم يكن أحد يعرف “حبيبة” التى ربما لم تخرج من قريتها، ولا يعرف من هم فى نفس حالتها فى النزاعات الأسرية المتكررة، ولكنها أصبحت الأشهر فى غضون أيام بين مرتادى وسائل التواصل، الذين لن يتذكروها مع قادم الايام، وتكون هى قد خسرت الكثير من حياتها الأسرية دون أن تدري.. ليتنا نتوقف عن اللهاث وراء كاميرات الموبايل وأن نحترم “أسرار” بيوتنا ونعيد للستر مكانته.









