مقالات

سوريا الجديدة.. براجماتية المصالح واللعب على كل الحبال – الأسبوع

محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية

لم تعد سوريا الجديدة تشبه سوريا التي عرفناها طوال عقود، فبعد سقوط نظام بشار الأسد تبدلت قواعد اللعبة، ولم تعد الأيديولوجيا وحدها هي التي تحدد اتجاهات دمشق، بل أصبحت المصالح والقدرة على المناورة وفتح قنوات الاتصال مع الخصوم قبل الحلفاء جزءا من المشهد الجديد.

ولعل اللقاء الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برئيس جهاز الموساد الإسرائيلي يكشف بوضوح عن أحد أهم ملامح هذه المرحلة.

فمجرد حدوث اتصال من هذا المستوى، في ظل التصعيد الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، يحمل دلالة سياسية تتجاوز تفاصيل اللقاء نفسه.

سوريا الجديدة تبدو وكأنها تحاول أن تلعب مع الجميع في الوقت نفسه. تفتح الباب أمام تركيا باعتبارها قوة إقليمية صاحبة نفوذ مباشر، ولا تغلق قنواتها مع واشنطن، وتترك نافذة للتفاوض مع إسرائيل رغم الاعتداءات، وتحاول في الوقت نفسه بناء علاقات عربية ودولية تمنحها مساحة للحركة.

هذه ليست بالضرورة سياسة تناقضات، وإنما قد تكون سياسة الضرورة.

فدمشق تدرك أن سوريا الخارجة من حرب طويلة لا تستطيع الدخول في مواجهة مفتوحة مع كل الأطراف المحيطة بها. ولذلك يبدو أن القيادة الجديدة اختارت الواقعية السياسية بدلا من الشعارات، والمفاوضات بدلا من المواجهة المباشرة، ومحاولة كسب الوقت لإعادة بناء الدولة والجيش والمؤسسات.

لكن السؤال الأخطر هو أين تقف الفصائل الإسلامية التي صنعت جزءا من المشهد الذي أفضى إلى النظام الجديد؟

هذه الفصائل لم تكن تتحرك جميعها بالمنطق نفسه. بعضها نشأ على خطاب أيديولوجي شديد الصدام مع إسرائيل والغرب، وبعضها أعاد تقديم نفسه خلال السنوات الأخيرة باعتباره قوة سياسية يمكن التعامل معها دوليا. وبين الماضي والحاضر تبدو هناك عملية إعادة صياغة واسعة للمشهد السوري.

وهنا يظهر التناقض الكبير.

هل تستطيع سوريا الجديدة أن تنتقل من أيديولوجية الفصائل إلى براجماتية الدولة من دون أن تنفجر التناقضات داخلها؟

وهل يقبل جمهور هذه الفصائل أن تتحول قنوات الاتصال التي كانت مرفوضة بالأمس إلى أدوات سياسية اليوم؟

اللقاء السوري الإسرائيلي يفتح هذا الباب على مصراعيه.

وفي المقابل فإن تركيا تظل اللاعب الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فأنقرة تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءا من أمنها القومي ومجالا حيويا لنفوذها الإقليمي. وهي تريد جيشا سوريا قادرا على حماية الحدود ومؤسسات دولة يمكن أن تعتمد عليها في مواجهة المخاطر الكردية وفي تثبيت نفوذها داخل سوريا. وهذا تحديدا ما يثير القلق الإسرائيلي

الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور في إدلب لم يكن مجرد ضربة عسكرية عابرة إذا صحت الروايات التي تحدثت عن محاولة تركية لإدخال منظومات عسكرية إلى القاعدة وتشغيلها بواسطة جنود أتراك.

فإسرائيل لا تريد أن ترى تركيا وهي تعيد بناء الجيش السوري وتحوّل الأراضي السورية إلى مجال نفوذ عسكري تركي طويل الأمد.لكن اللافت أكثر كان الرد التركي السلبي على الهجوم.

كان يمكن لأنقرة أن ترفع سقف المواجهة السياسية والإعلامية، وأن تجعل الضربة الإسرائيلية أزمة إقليمية واسعة، لكنها اختارت قدرا كبيرا من ضبط النفس. وهنا يصبح السؤال مشروعا، هل تراجعت تركيا أم أنها تدير معركتها بطريقة مختلفة؟

ربما تكون أنقرة قد أدركت أن المواجهة المباشرة مع إسرائيل في سوريا ليست في مصلحتها الآن، خصوصا في ظل الحسابات الأمريكية المعقدة. ولذلك اختارت الرد السياسي والقانوني بدلا من الرد العسكري.

وهذه هي النقطة الأهم في المشهد كله.

سوريا أصبحت ساحة اختبار بين قوتين إقليميتين كبيرتين. تركيا تريد تثبيت نفوذها وبناء جيش سوري جديد، بينما يريد الكيان الإسرائيلي المحتل منع نشوء قوة سورية يمكن أن تتحول مستقبلا إلى تهديد أمني على حدوده أو إلى قاعدة نفوذ تركية متقدمة.

أما واشنطن فتقف في المنتصف.

لا تريد صداما تركيا إسرائيليا مفتوحا، ولا تريد أن تخسر أنقرة، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل الحسابات الأمنية الإسرائيلية.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة سوريا الجديدة.

إنها سوريا التي تبحث عن مصلحتها في شبكة معقدة من العلاقات، لا عن حليف واحد.سوريا التي تفاوض تركيا وتفتح قناة مع إسرائيل وتتحدث مع واشنطن وتبحث عن الدعم العربي والدولي في وقت واحد.

قد يراه البعض تناقضا سياسيا، وقد يراه آخرون واقعية تفرضها ظروف دولة خارجة من حرب.

لكن الخطر أن تتحول البراجماتية إلى سياسة بلا ثوابت.

فالدولة تستطيع أن تفاوض خصومها، وأن تعقد الاتفاقات الأمنية، وأن تغير تحالفاتها وفقا لمصالحها. لكنها في النهاية تحتاج إلى مشروع وطني واضح يحدد أين تبدأ المصلحة السورية وأين تنتهي مصالح الآخرين.

المشهد السوري لم يحسم بعد.

والهجوم في إدلب ربما يكون مجرد بداية لمعركة أكبر عنوانها الحقيقي ليس القاعدة ولا السلاح، وإنما من يملك القرار العسكري والسياسي في سوريا الجديدة.

تركيا تريد سوريا في دائرة نفوذها، وإسرائيل تريد سوريا بلا قوة عسكرية قادرة على تهديدها، وأمريكا تريد إدارة التوازن بين الطرفين

أما دمشق فعليها أن تثبت أن اللعب مع الجميع لا يعني أن يلعب الجميع بها

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية.

اقرأ أيضاًابتلاع سوريا

تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل.. وزير خارجية الاحتلال يحذر من إقامة قواعد عسكرية تركية داخل سوريا

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts