ليست كل الهزائم لحظةً واحدة يمكن تحديدها بتاريخ أو معركة، أحيانًا تبدأ الهزيمة حين تتغير موازين القوة من حول الدولة، ثم تتوالى السنوات، فتسقط ورقة بعد أخرى، حتى تستيقظ الدولة ذات يوم لتكتشف أنها لم تخسر معركة فحسب، بل خسرت الموقع الذي كانت تقاتل من أجله.
وهكذا يمكن قراءة مسيرة سوريا منذ حافظ الأسد حتى الجولاني المعروف بأحمد الشرع.
كان حافظ الأسد يدرك أن الجولان ليس مجرد مساحة جغرافية محتلة، وأن استعادته لا تنفصل عن السؤال الأكبر: ماذا ستكون سوريا بعد استعادة الأرض؟.
الرجل الذي حكم سوريا ثلاثين عامًا، من 14 مارس 1971 حتى وفاته في 10 يونيو 2000، لم ينظر إلى الجولان باعتباره أرضًا ينبغي استعادتها بأي ثمن.
كان يرى سوريا قوةً مركزية في بلاد الشام، وأن استعادة الجولان مقابل خروجها من لبنان وتخليها عن نفوذها في القضية الفلسطينية قد تعني، في حساباته، أن تستعيد سوريا الأرض، لكنها تفقد مكانتها ودورها.
استولى حافظ الأسد على السلطة في 13 نوفمبر 1970، فيما عُرف بالحركة التصحيحية، ثم أصبح رئيسًا للجمهورية في مارس 1971.
ومنذ ذلك الوقت بدأ في بناء سوريا باعتبارها دولةً يتجاوز نفوذها حدودها، وقوةً إقليمية لا يمكن تجاوزها في معادلات المشرق العربي.
كان الجولان جزءًا من هذا الحساب، لكنه لم يكن الحساب كله.
بعد حرب أكتوبر 1973، ظل معظم الجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي، وجاء اتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي في 31 مايو 1974 ليعيد جزءًا من الأراضي إلى السيطرة السورية، بينما بقيت معظم الهضبة تحت الاحتلال.
ثم جاء لبنان.
دخل الجيش السوري لبنان في يونيو 1976، في خضم الحرب الأهلية اللبنانية، وتحول الوجود العسكري تدريجيًا إلى نفوذ سياسي وأمني طويل الأمد.
وبالتوازي، حافظت دمشق على علاقات وتحالفات مع فصائل فلسطينية مختلفة، فأصبحت سوريا لاعبًا رئيسيًا في لبنان والقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي.
ولم يكن ذلك الدور مجرد سياسة خارجية منفصلة عن طريقة حكم حافظ الأسد لسوريا، بل كان جزءًا من بنية النظام نفسه.
فقد بنى الأسد الأب نظامه على توازنات دقيقة، كان من أهمها أن تُدار الصراعات الكبرى بعيدًا عن الأراضي السورية قدر الإمكان، وأن تُخاض حروب النفوذ والاشتباك في لبنان وفلسطين، بحيث تظل سوريا في موقع اللاعب الذي يحرك أوراقًا إقليمية من خارج حدوده، بدلًا من أن تتحول أرضها إلى ساحة الحرب الرئيسية.
كان لبنان وفلسطين، في هذا الحساب، مجالين لممارسة النفوذ والضغط والمواجهة، بينما تبقى الدولة السورية، بجيشها ومؤسساتها، في مركز المعادلة.
لم يكن ذلك بالنسبة إلى حافظ الأسد مجرد توسع في النفوذ.
كان رهانًا استراتيجيًا.
كان يريد أن تظل سوريا دولةً مركزية في الشام، وأن يكون لها وزن في فلسطين ولبنان، وأن تدخل أي تسوية مع إسرائيل وهي تحمل أوراقًا إقليمية حقيقية، لا دولةً تستعيد أرضًا ثم تنسحب من المشهد.
ولهذا لم يكن السلام مرفوضًا عنده من حيث المبدأ.
كان السؤال دائمًا: أي سلام؟ وبأي ثمن؟ وماذا يبقى لسوريا بعده؟
كان الأسد يعرف أن السياسة لا تُقاس فقط بما تستعيده من أرض، وإنما أيضًا بما تتنازل عنه في الطريق إليها.
ثم جاءت كارثة غزو الكويت في 2 أغسطس 1990، لتضرب النظام العربي في الصميم وتعيد تشكيل المنطقة كلها.
انقسم العرب، وانتهى عمليًا قدر كبير من التضامن العربي الذي كان يوفر لسوريا هامشًا واسعًا للمناورة، بينما خرجت الولايات المتحدة من حرب الخليج وهي القوة المهيمنة على النظام العالمي الجديد.
اختارت دمشق الوقوف إلى جانب التحالف الذي قادته واشنطن ضد العراق، وهو موقف منحها هامش حركة مع الولايات المتحدة، لكنه جاء أيضًا في لحظة بدأت فيها موازين القوى القديمة تتغير بصورة عميقة مع انهيار الاتحاد السوفيتي.
وبعد حرب الخليج جاء مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع العربي الإسرائيلي، انتقلت فيها القضية من ميادين الحرب إلى غرف التفاوض.
وفي عام 1993 ظهرت ما عُرفت لاحقًا بـ«وديعة رابين»، وهي تعهد إسرائيلي شفهي نُقل إلى حافظ الأسد عبر الإدارة الأمريكية، يفيد باستعداد رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين للانسحاب من الجولان إلى خطوط 4 يونيو 1967، مقابل السلام والتطبيع والترتيبات الأمنية.
كانت تلك الوديعة نقطة تحول مهمة في المفاوضات السورية الإسرائيلية.
ومنذ ذلك الوقت دخلت دمشق وتل أبيب في مسار تفاوضي أكثر جدية.
لكن حافظ الأسد لم يتعامل مع الجولان كقطعة أرض منفصلة عن موقع سوريا في الإقليم.
كان يريد استعادة الأرض، لكنه لم يكن يريد أن يدفع ثمنها بانتهاء الدور السوري في لبنان وفلسطين.
استمرت المفاوضات خلال التسعينيات، حتى وصل حافظ الأسد إلى جنيف في 26 مارس 2000 للقاء الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، في محاولة أخيرة لإنقاذ المسار التفاوضي.
اقترب الطرفان، لكنهما لم يتفقا.
وظلت الخلافات حول الحدود، خصوصًا مسألة الوصول إلى بحيرة طبريا، إلى جانب الترتيبات الأمنية، عائقًا أمام إبرام الاتفاق.
ثم عاد حافظ الأسد إلى دمشق.
وبعد أقل من ثلاثة أشهر، في 10 يونيو 2000، مات.
رحل قبل أن يعرف إن كان رهانه قد أصاب أم أخطأ.
وبقي الجولان محتلاً.
لكن التاريخ لم يتوقف عند تلك اللحظة.
في 26 أبريل 2005 خرج الجيش السوري من لبنان، منهيًا وجودًا عسكريًا استمر قرابة 29 عامًا.
وبعد ست سنوات فقط، في مارس 2011، اندلعت الثورة في سوريا، وسرعان ما تحولت إلى حرب شاركت فيها قوى إقليمية ودولية، وتحولت البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة.
والحرب التي ظل حافظ الأسد يدفع ثمنًا سياسيًا وعسكريًا كي تبقى خارج الأراضي السورية، انتقلت في عام 2011 إلى قلب سوريا نفسها، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب مدمرة استنزفت الجيش والشعب والدولة والاقتصاد، وجعلت القوى الإقليمية والدولية تتصارع فوق الأرض السورية، بدلًا من أن تستخدم سوريا نفوذها للتأثير في صراعات المنطقة.
وفي 30 سبتمبر 2015 تدخلت روسيا عسكريًا إلى جانب الرئيس بشار الأسد، وأسهمت في منع سقوط النظام آنذاك وإعادة ترجيح كفته عسكريًا.
لكن الحرب كانت قد استنزفت سوريا.
استنزفت جيشها واقتصادها ومؤسساتها، وأضعفت قدرتها على الحركة المستقلة، وجعلت النظام يعتمد بصورة متزايدة على حلفائه الخارجيين.
ثم جاء 7 أكتوبر 2023.
الهجوم الذي شنته حركة حماس على إسرائيل أشعل حرب غزة، وسرعان ما امتد الصراع إلى جبهات أخرى. دخل حزب الله الحرب من جنوب لبنان، ثم تعرض لضربات إسرائيلية هائلة، وجاءت حرب لبنان في 2024 لتقلب جانبًا مهمًا من معادلة الردع التي استند إليها ما كان يُسمى «محور المقاومة».
وبالتزامن مع ذلك، تعرضت إيران وحلفاؤها لضغوط وضربات متتالية، وأصبحت سوريا، التي كانت الحلقة الجغرافية الأساسية بين إيران وحزب الله، ساحة مكشوفة أكثر من أي وقت مضى.
كانت مغامرة 7 أكتوبر 2023 بداية سلسلة من التطورات التي أضعفت بصورة كبيرة بنية «محور المقاومة» وقدرته على العمل كمنظومة إقليمية متماسكة.
ثم جاءت الضربة السورية الكبرى.
في 27 نوفمبر 2024 بدأت فصائل المعارضة هجومًا واسعًا.
سقطت حلب في 29 نوفمبر، ثم توالت الانهيارات العسكرية، حتى دخلت قوات المعارضة دمشق في 8 ديسمبر 2024، وفرّ بشار الأسد إلى روسيا، وانتهى حكم آل الأسد الذي بدأ بوصول حافظ الأسد إلى السلطة في 1970.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، دخلت إسرائيل إلى مناطق جديدة في جنوب سوريا، وسيطرت على أجزاء من المنطقة العازلة ومواقع في محيط جبل الشيخ، وبدأت حملة واسعة لتدمير قدرات الجيش السوري.
وصل الجولاني إلى دمشق بعد إسقاط النظام وتفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف جيشها، لتصبح سوريا أكثر انكشافًا أمام إسرائيل.
والأشد مفارقة أن الجولاني، الذي وصل إلى السلطة بالسلاح وعبر دعم أمريكي وتركي وخليجي، وتحدث طويلًا عن المواجهة ضد أمريكا وإسرائيل، أصبح اليوم يتحدث عن اتفاق أمني مع إسرائيل، بينما تستمر إسرائيل في ضرب سوريا وتحتفظ بمواقع داخل أراضيها.
وفي 26 يوليو 2026 أعلن الجولاني المعروف بأحمد الشرع أن دمشق تسعى إلى اتفاق أمني مع إسرائيل يمكن أن يمهد إلى سلام أوسع.
وفي 22 أغسطس 2026 نفذت إسرائيل ضربة بطائرة مسيّرة في جنوب سوريا قرب بيت جن، بينما سبقتها في الأسبوع نفسه ضربة على قاعدة أبو الظهور الجوية.
هنا تظهر خيبة رهان حافظ الأسد بأقسى صورها.
لقد كان يعتقد أن سوريا، إذا خرجت من لبنان وفلسطين وتخلت عن دورها الإقليمي مقابل الجولان، ستخسر أكثر مما ستربح.
وقد يكون أخطأ في تقدير الزمن.
وربما أضاع فرصة تاريخية في عام 2000.
لكن ما حدث بعد 2011، ثم بعد 7 أكتوبر 2023، ثم بعد سقوط بشار في 8 ديسمبر 2024، جعل مخاوفه تبدو أكثر وضوحًا.
فقدت سوريا معظم أوراق القوة التي بناها الأسد الأب، لكنها لم تحصل في المقابل على الجولان.
بل إن عهد الجولاني شهد خسارة سوريا للأرض والدور والقوة معًا.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على التاريخ، لا على حافظ الأسد وحده:
هل كان الأفضل لسوريا أن تستعيد الجولان في عام 2000، بصفقة مع أمريكا وإسرائيل، حتى لو كان ثمنها التخلي عن دورها الإقليمي ونفوذها في لبنان وفلسطين؟
أم أن الحفاظ على الدور، كما راهن الرئيس حافظ الأسد، كان يستحق التضحية بفرصة استعادة الأرض؟
فربما كان ثمن عودة الجولان بالسلام آنذاك هو خسارة جزء من الدور، بينما أصبح ثمن عدم استعادته اليوم هو سقوط سوريا كلها.
اقرأ أيضاًمصر تدين اعتراف كولومبيا بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل









