مقالات

قصتي مع نجيب محفوظ – الأسبوع

“هو الذي نقل الرواية العربية من مرحلة الهواية والتبشير إلى مرحلة الاحتراف الكامل والعالمية”.. هكذا وصف العبقري يوسف إدريس عبقرية عميد الرواية المصرية والعربية نجيب محفوظ، والذي حلت في الثلاثين من أغسطس الجاري الذكرى العشرين لوفاته.

ولا شك أن هذه المناسبة تستحق منا التوقف كثيرًا أمام أدبه الخالد، علمًا بأن ما كتب عن “أديب نوبل” لا يمكن حصره نظرًا لأهمية أدبه، ولكني سأتناوله هذه المرة من “زاوية شخصية/ مهنية”، حيث كان من حسن حظي أن يُنشر لي أول موضوع صحفي في حياتي من خلال حوار أجريته مع الراحل الكبير نجيب محفوظ، وتلك قصة أرى أنها تستحق أن تُروى.

وتبدأ قصتنا في شهر أكتوبر من عام 1990م، أنئذٍ كنت طالبًا في الفرقة الثالثة بقسم الصحافة (كلية الإعلام- جامعة القاهرة) للعام الدراسي (90- 1991م)، حيث سمعت من بعض زملائي بالقسم أن صحيفة “النبأ” تطلب متدربين من الكلية للتعاون معها.

وقتها، كانت “النبأ” صحيفة جديدة (صدر عددها الأول 31 ديسمبر 1989م)، إذ كانت أول صحيفة مصرية خاصة تصدر بترخيص من قبرص (في عام 1996م، كانت من أوائل الصحف المستقلة الصادرة عن شركة مساهمة مصرية)، فاعتبرتها- أنا وبعض الزملاء- فرصة جيدة لخوض غمار العمل الصحفي عمليًا، لا سيما وأن “الجانب العملي” لدينا كان يقتصر على صحيفة “صوت الجامعة” الصادرة عن قسم الصحافة بالكلية، وأتذكر أن التدريب العملي بها كان بـ”ست درجات” من أصل (20 درجة) بمادة “التحرير الصحفي”.

وفي أحد مساءات أكتوبر، توجهت- وبعض زملائي- إلى مقر الصحيفة بالدقي بالقرب من ميدان المساحة، حيث وجدت عددًا كبيرًا من الصحفيين الشبان الطامحين بحماس إلى خوض تجربة العمل بها. وقد استقبلنا صاحب الصحيفة ورئيس تحريرها المرحوم ممدوح مهران بطريقة لائقة وبشوشة، خصوصًا بعد أن علم أننا طلبة من كلية الإعلام.

ودار الحديث بيننا طويلاً عن أحلامه للصحيفة وأنه ينتظر منا الكثير، واستمع إلى أفكارنا، حيث عرضت عليه أن أقوم بإجراء حوار صحفي مع نجيب محفوظ بمناسبة الذكرى الثانية لحصوله على جائزة نوبل في الأدب (حصل عليها في أكتوبر 1988م)، فاستحسن مهران الفكرة، وطالبني بالتنفيذ لكي يرى ماذا سأفعل؟

في تلك اللحظة، ارتفعت لدى معدلات “أدريناين الحماسة”، وشرعت فورًا في الاتصال بمؤسسة “الأهرام” لمقابلة الأديب الكبير، إذ كانت إحدى السكرتيرات بـ”الأهرام” مختصة بتنظيم مقابلات وشئون كبار كتاب “الأهرام” من ساكني “الدور السادس الشهير” الذي خصصه لهم “الأستاذ”.. محمد حسنين هيكل، إبان عهده الميمون بـ”الأهرام”.

وبالفعل، تحدد لي الموعد مع الراحل الكبير في أحد المساءات، وعلمت أن غرفته- إن لم تخني الذاكرة- رقمها (604)، بينما كان بجواره الأديب الكبير ثروت أباظة بالغرفة (605)، والعملاق توفيق الحكيم في الغرفة (606).

وحين وصلت إلى “استقبال الأهرام”، وجهني الموظف المختص إلى الدور السادس، ولكن في غرفة ثروت أباظة حيث كان يجلس معه نجيب محفوظ، وصعدت بالأسانسير بينما كانت ضربات قلبي تتصاعد كطائرة نفاثة، إذ كيف لطالب جامعي في العشرين من عمره أن يقابل هذه الأيقونة الأدبية والفكرية؟!!

طرقت الباب والقيت السلام على الأديبين الكبيرين وصافحتهما، بادئًا بنجيب محفوظ الذي كان يجلس على أريكة مقابلة- ولكن بمسافة تتجاوز الأربعة أمتار- لمكتب ثروت أباظة الذي كان يجلس خلفه، وأمام مكتبه مباشرةً كرسييّن متقابليّن ثم الأريكة المذكورة، وعرّفت محفوظ بنفسي، فكان ودودًا للغاية، وأتذكر جيدًا أنه كان يرتدي “بدلة زرقاء بأكمام طويلة” تناسب الخريف، ويرتدي نظارة سميكة، فضلاً عن سماعة في أذنه اليسرى.

وبدأ الحوار بالأسئلة المعدة، والرجل في منتهى اللطف والمودة والصبر، لا سيما وأنني كنت اكتب وراءه على الورق (بدون جهاز تسجيل)، وأحيانًا ما كان يستوقفني لسماع كلمة أو أخرى حيث كان يعاني من ضعف السمع، وانتهى الحوار على خير ما يرام.

وخرجت من “الأهرام” مبهورًا بشخصية محفوظ الآسرة ودماثة خلقه، وعدت إلى المدينة الجامعية بجامعة القاهرة، ولم أستطع النوم حتى الفجر إلى أن انتهيت من صياغة الحوار كاملاً. وما أن سطع النهار، لم يكن في ذهني إلا الوصول إلى الصحيفة بالدقي لتسليم الحوار، وهو ما حدث.

وما هي إلا أيام قليلة، وصدرت الصحيفة (وكانت أسبوعية)، وفي صفحة الثقافة حواري مع الراحل الكبير نجيب محفوظ، حيث صافح قلمي أوراق الصحف للمرة الأولى في حياتي. رحم الله نجيب محفوظ.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts