مقالات

خالد شيخ محمد والصندوق الأسود.. لماذا احتفظت أمريكا به ربع قرن ولماذا تفتح ملفه الآن؟

هناك ملفات لا تغلقها السنوات وملفات تظل حية حتى وهي مدفونة في خزائن أجهزة الاستخبارات وملفات كلما اقتربت من نهايتها اكتشفت أن بدايتها كانت أكثر غموضا مما كنت تتصور ومن أخطر هذه الملفات في تاريخ الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر اسم رجل ظل يطارد أجهزة الأمن والقضاء والسياسة الأمريكية لأكثر من عقدين خالد شيخ محمد الرجل الذي قدمته الولايات المتحدة باعتباره العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر 2001 والرجل الذي ألقي القبض عليه في باكستان عام 2003 ثم اختفى لسنوات داخل شبكة السجون السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قبل أن يظهر في جوانتانامو عام 2006 ومنذ ذلك الوقت والقضية تدور في دائرة مغلقة اعتقال واستجواب وتعذيب واعترافات ومحامون وأدلة سرية وجلسات وتأجيلات ثم تأجيلات جديدة حتى أصبح السؤال أكبر من الرجل نفسه.

لماذا احتفظت الولايات المتحدة بخالد شيخ محمد كل هذه السنوات؟

ولماذا لم تتم محاكمته منذ البداية؟

ولماذا بعد ما يقرب من ربع قرن يعود الملف إلى الواجهة الآن؟

عندما يطلق على خالد شيخ محمد وصف الصندوق الأسود فليس المقصود بالضرورة أنه الرجل الذي يعرف وحده كل أسرار 11 سبتمبر وإنما لأنه كان يحمل في ذاكرته شبكة واسعة من المعلومات أسماء واتصالات وعلاقات وعمليات وأماكن وطرق تمويل وشخصيات ارتبطت بعالم تنظيم القاعدة خلال سنوات طويلة وهنا تصبح قيمة المعتقل بالنسبة إلى أجهزة الاستخبارات أكبر من قيمته بالنسبة إلى المحكمة.

المحكمة تريد دليلا أما الاستخبارات فتريد معلومات والفرق بين الاثنين كبير، ربما لهذا استغرق الوصول إلى المحاكمة كل هذه السنوات فكلما اقترب الملف من قاعة المحكمة ظهرت مشكلة جديدة وأكبر هذه المشكلات كانت الطريقة التي حصلت بها الولايات المتحدة على بعض الاعترافات.

ألقي القبض على خالد شيخ محمد في باكستان عام 2003 لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن مسارا قضائيا تقليديا لقد دخل الرجل إلى عالم السجون السرية التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وهناك خضع لاستجوابات قاسية وأساليب تعذيب أصبحت لاحقا واحدة من أكثر الصفحات إثارة للجدل في تاريخ الحرب الأمريكية على الإرهاب ومن هنا بدأت المشكلة التي ستطارد القضية حتى اليوم.

ماذا تفعل المحكمة باعتراف صدر بعد التعذيب؟

هل الاعتراف الذي يأتي من إنسان تحت الإكراه يمكن أن يتحول إلى دليل قانوني؟

وهل يمكن أن تبني دولة كبرى قضية إعدام على اعترافات انتزعت في ظروف لا يمكن وصفها بأنها طبيعية؟

هذه ليست أسئلة حقوقية فقط بل هي أسئلة أمن قومي أيضا لأن سقوط الاعترافات قد يعني سقوط جزء مهم من البناء الذي اعتمدت عليه النيابة.

وهنا نصل إلى اللحظة التي أعادت خالد شيخ محمد إلى صدارة الأحداث ففي أغسطس 2026 صدر قرار قضائي عسكري أمريكي باستبعاد اعترافات خالد شيخ محمد التي أدلى بها عام 2007 أمام محققي مكتب التحقيقات الفيدرالي بعد أن اعتبر القاضي أن هذه التصريحات لم تكن طوعية بسبب استمرار تأثير المعاملة القسرية التي تعرض لها الرجل أثناء احتجازه لدى وكالة الاستخبارات المركزية.

وهذا القرار يمثل تطورا مهما في القضية لأن تلك الاعترافات كانت من الأدلة التي أرادت النيابة استخدامها في المحاكمة والسؤال الآن إذا سقط الاعتراف فماذا تبقى؟

هنا يبدأ القلق الحقيقي داخل الملف الأمريكي لأن القضية التي ظلت واشنطن تحملها أكثر من عشرين عاما لم تعد فقط قضية إثبات أن خالد شيخ محمد متهم بتدبير 11 سبتمبر بل أصبحت قضية إثبات ذلك أمام محكمة عسكرية وفق قواعد أدلة يمكن الدفاع عنها قانونيا وهذا فرق هائل.

القضية لم تكن مجرد بطء في الإجراءات فقد مرت منذ القبض على خالد شيخ محمد عام 2003 بمراحل طويلة من الاعتقال السري والاستجواب ونقل المعتقلين ثم ظهورهم في جوانتانامو وبدأت الإجراءات العسكرية بصورة رسمية ثم دخل الملف في متاهة قانونية طويلة حتى إن القضية التي كان يفترض أن تصل إلى الحكم منذ سنوات ظلت عالقة في مرحلة ما قبل المحاكمة.

وكانت هناك محاولة أخرى لإنهاء الملف من خلال اتفاق إقرار بالذنب عام 2024 يتجنب عقوبة الإعدام مقابل أحكام بالسجن المؤبد لكن الاتفاق لم يستقر وانتهى المسار مرة أخرى إلى المحاكمة ثم جاءت التطورات القضائية الأخيرة لتعيد القضية إلى نقطة جديدة من الصراع وفي أغسطس 2026 حدد القاضي موعدا لبدء المحاكمة في 5 يونيو 2028 أي بعد مرور نحو 27 عاما على أحداث 11 سبتمبر وبعد أكثر من ربع قرن على الجريمة التي هزت العالم.

وفي الخلفية يظهر اسم آخر لا يمكن تجاهله وهو رمزي بن الشيبة أحد المتهمين في قضية 11 سبتمبر والرجل الذي ارتبط اسمه بالتحقيقات الخاصة بالتخطيط والتنظيم والاتصالات التي سبقت الهجمات لكن قصة رمزي بن الشيبة نفسها أصبحت جزءا من مأساة جوانتانامو فقد قرر قاض عسكري عام 2023 أنه غير مؤهل للمحاكمة بسبب اضطرابات نفسية مرتبطة بما تعرض له خلال سنوات الاحتجاز والاستجواب وهكذا أصبح واحد من المتهمين الأساسيين في الملف غير قادر على الوقوف أمام المحكمة في الوقت الراهن.

وهنا تتكرر المشكلة نفسها السجون السرية والاستجوابات والتعذيب والاضطرابات النفسية ثم المحكمة وكل هذه العناصر أصبحت متداخلة إلى درجة يصعب معها فصل ملف 11 سبتمبر عن الطريقة التي أدارت بها الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب.

جوانتانامو لم يكن اختيارا عابرا بل كان جزءا من منظومة قانونية وأمنية استثنائية أنشأتها الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر مكان خارج البر الرئيسي الأمريكي ومعتقلون تصنفهم واشنطن باعتبارهم من أخطر عناصر تنظيم القاعدة ومحاكم عسكرية استثنائية وسنوات من الجدل حول حقوق المتهمين ولهذا فإن خالد شيخ محمد لم يكن فقط سجينا بل كان أيضا جزءا من تجربة أمريكية كاملة في التعامل مع الإرهاب تجربة بدأت بالخوف بعد 11 سبتمبر ثم تحولت إلى حرب عالمية على الإرهاب ثم إلى شبكة من السجون السرية ثم إلى جوانتانامو ثم إلى معركة قضائية لم تنته حتى الآن.

لكن لماذا الآن؟.. ربما لأن الزمن بدأ يفرض نفسه

أحداث 11 سبتمبر تدخل عامها الخامس والعشرين والقضية ما زالت بلا حكم نهائي وأسر الضحايا تريد العدالة والادعاء يريد إثبات القضية والدفاع يريد إسقاط الأدلة التي حصلت عليها أجهزة الاستخبارات تحت ظروف قسرية والقاضي يريد أن يعرف ما الذي يمكن أن يدخل قاعة المحكمة وما الذي يجب أن يبقى خارجها.

كل طرف يملك جزءا من الحقيقة لكن لا أحد يملك حتى الآن الصورة كاملة.. وهنا تكمن خطورة خالد شيخ محمد.

ليس بالضرورة لأن الرجل يعرف سرا واحدا يمكنه إسقاط الرواية الأمريكية كلها وإنما لأن أي شخص كان داخل قلب شبكة القاعدة ويعرف تفاصيل عملياتها وعلاقاتها وتمويلها وتحركاتها يمكن أن يصبح مصدرا لمعلومات لا تريد أجهزة الاستخبارات أن تظهر كلها أمام محكمة مفتوحة فالمشكلة بالنسبة إلى جهاز استخبارات ليست فقط ماذا سيقول المتهم بل من سيكشفه المتهم عندما يبدأ الكلام ومن أين جاءت المعلومات ومن كان يعرف ومن كان يتابع ومن كان يتعاون وأين كانت نقاط الاختراق وأين فشلت أجهزة الأمن وأين نجحت وهذه الأسئلة أخطر أحيانا من الجريمة نفسها.

وفي اعتقادي الشخصي كباحث فإن ورقة خالد شيخ محمد قد تكون مرتبطة بصورة أوسع بملف قانون جاستا الذي أقره الكونجرس الأمريكي عام 2016 بعد أن استخدم الرئيس باراك أوباما حق النقض ضده ثم نجح الكونجرس في تجاوز الفيتو بأغلبية كبيرة.

قانون جاستا لم يكن قانونا عاديا في الحسابات الأمريكية لأنه فتح الباب أمام أسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر لملاحقة دول أجنبية أمام القضاء الأمريكي في قضايا تتعلق بالإرهاب على الأراضي الأمريكية ولذلك أصبح واحدا من أكثر الملفات القانونية والسياسية حساسية التي خرجت من رحم أحداث 11 سبتمبر.

ومن هنا أطرح فرضية لا أقدمها باعتبارها حقيقة ثابتة وإنما باعتبارها قراءة سياسية وأمنية تحتاج إلى مزيد من الأدلة، هل يمكن أن تكون ورقة خالد شيخ محمد قد أعيد تحريكها في هذا التوقيت ضمن إعادة ترتيب أكبر لملف 11 سبتمبر وما ترتب عليه من مسؤوليات سياسية وقانونية؟.

الرجل ليس مجرد متهم في قضية إرهابية بل هو أحد أهم الأسماء التي يمكن أن تستخدم شهادته ومعلوماته في إعادة تركيب شبكة العلاقات والاتصالات التي سبقت 11 سبتمبر وهنا تصبح قضية خالد شيخ محمد أكبر من محاكمة فرد وتصبح ورقة يمكن أن تدخل في صراع سياسي وقانوني أوسع حول المسؤوليات والدول والأجهزة والجهات التي كانت لها صلات بالملف.

وفي تحليلي الشخصي فإن توقيت تحريك القضية يستحق التوقف عنده أيضا في ضوء التحولات الجديدة في المنطقة خصوصا بعد اتفاق مكة وما أعقبه من اصطفافات وتحالفات إقليمية ودولية جديدة وهنا يمكن أن يكون السؤال هل نحن أمام إعادة فتح لملف 11 سبتمبر باعتباره ملفا قضائيا فقط أم أن هناك إعادة استخدام للملف كورقة ضغط سياسية واستخباراتية في مرحلة جديدة من التحالفات؟.

ولا يمكن تجاهل أن ملف 11 سبتمبر ارتبط منذ بدايته بأسماء وجنسيات متعددة من بينها السعودية وباكستان وغيرها لكن تحميل دولة بعينها مسؤولية الهجمات يحتاج إلى أدلة قضائية واضحة ولا يجوز أن يتحول التحليل السياسي إلى حكم نهائي.

ولهذا فإن خالد شيخ محمد يظل بالنسبة لي الصندوق الأسود فإذا فتحت المحكمة الصندوق بالكامل فقد لا نعرف فقط ماذا حدث في 11 سبتمبر بل قد نعرف أيضا كيف صنعت الولايات المتحدة ملفها الأمني والسياسي والقانوني خلال ربع قرن كامل بعد تلك الأحداث.

وهنا تكمن أهمية القضية..

فالذي يحاكم في جوانتانامو ليس خالد شيخ محمد وحده بل تحاكم معه ذاكرة ربع قرن من الحرب على الإرهاب وتحاكم معها السجون السرية والاستجوابات والتعذيب والاستخبارات والتحالفات والأسرار التي لم تكشف كلها حتى الآن

وربما لهذا السبب بالذات ظلت ورقة خالد شيخ محمد محفوظة طوال هذه السنوات لأن قيمتها لا تكمن فقط في ما يقوله عن الماضي بل في ما يمكن أن يعنيه كلامه للمستقبل

خالد شيخ محمد اليوم ليس مجرد متهم ينتظر محاكمة بل هو شاهد محتمل على مرحلة كاملة مرحلة صنعت العالم الذي نعيش فيه بعد 11 سبتمبر عالم الطائرات التي تخضع للتفتيش المشدد وعالم المطارات المغلقة أمنيا وعالم السجون السرية وعالم الحرب على الإرهاب وعالم جوانتانامو وعالم أجهزة الاستخبارات التي أصبحت أقوى وأكثر سرية بعد الهجمات

ولهذا فإن محاكمته لن تكون مجرد محاكمة رجل بل ستكون محاكمة جزء من التاريخ الأمريكي نفسه

الصندوق الأسود لم يفتح بعد

قد تبدأ المحاكمة في يونيو 2028 وقد تتأخر مرة أخرى وقد تستأنف النيابة قرار استبعاد اعترافات خالد شيخ محمد وقد تدخل القضية في جولة جديدة من الطعون لكن الحقيقة الأهم أن المحاكمة لم تبدأ بعد وأن خالد شيخ محمد لم يصدر بحقه حكم قضائي نهائي في قضية 11 سبتمبر

وهذا وحده يكشف حجم المفارقة

أكبر هجوم إرهابي شهدته الولايات المتحدة وأشهر متهم في القضية وأكثر من عشرين عاما من الاحتجاز وحتى الآن لا توجد نهاية قضائية للقصة

فهل يفتح القضاء الأمريكي الصندوق الأسود أخيرا؟

أم أن أسرار السجون السرية والتعذيب والاستخبارات ستظل تحيط بالقضية حتى اللحظة الأخيرة؟

ربما تكون الإجابة داخل رأس رجل واحد

رجل ظل ربع قرن خلف القضبان

خالد شيخ محمد

لكن السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا فعل خالد شيخ محمد

بل ماذا يعرف خالد شيخ محمد

وهذا هو السؤال الذي يجعل هذا الرجل أخطر من مجرد متهم ويجعل ملفه واحدا من أخطر الملفات الاستخباراتية التي لم تغلق أبوابها حتى اليوم.

اقرأ أيضاًإسقاط مسيرة أمريكية وحريق بناقلة نفط.. ماذا يحدث في مضيق هرمز؟

عاجل مقتل وإصابة 4 في هجوم بطائرة مسيرة استهدف جزيرة لارك الإيرانية.. وطهران تتوعد

ترامب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي لتدمير جزيرة خرج الإيرانية

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts