مقالات

كيف تحولت حرب إيران من حلم نتنياهو الأكبر إلى كابوسه السياسي؟ – الأسبوع


هناك حروب يخرج منها المنتصر أقوى، وهناك حروب يخرج منها الجميع خاسرين، لكن الأخطر هو أن تخرج من الحرب وقد خسرت ما كنت تقاتل من أجله.

هذا ما يبدو أنه حدث مع بنيامين نتنياهو، فالحرب التي أرادها لتغيير موازين المنطقة، وإضعاف إيران، وتعزيز موقعه السياسي، انتهت بواقع جديد يطرح سؤالاً صعباً: هل تحولت المعركة التي حلم بها سنوات طويلة إلى بداية تراجع مشروعه السياسي؟

فمنذ سنوات، قدم نتنياهو إيران باعتبارها الخطر الأكبر على إسرائيل والمنطقة، وجعل من المواجهة معها محوراً رئيسياً في خطابه السياسي. بل إن كثيراً من المراقبين رأوا أن حلمه السياسي الأكبر كان جر الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع طهران تؤدي إلى إعادة رسم التوازنات الإقليمية وفق الرؤية الإسرائيلية، ولكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفاً.

فبعد شهور من التصعيد العسكري والتوتر الإقليمي، انتهى المشهد باتفاق «أمريكي – إيراني» مؤقت فتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد، وأعاد فتح مضيق هرمز، وخفف المخاوف العالمية بشأن الطاقة والتجارة الدولية. وبينما رحبت العديد من العواصم بهذا التطور باعتباره فرصة لخفض التوتر، استقبلته الأوساط الإسرائيلية بقدر كبير من القلق والارتباك.

التقارير الدولية، وعلى رأسها تقرير صحيفة «فيننشال تايمز»، تشير إلى أن الاتفاق كشف فجوة واضحة بين المصالح الأمريكية والإسرائيلية. فواشنطن كانت تبحث عن الاستقرار وتجنب حرب إقليمية واسعة، بينما كانت الحكومة الإسرائيلية ترى أن استمرار الضغوط والمواجهة العسكرية يمثلان الطريق الأفضل لتحقيق أهدافها.

الأكثر أهمية أن الملفات التي طالما أصرت إسرائيل على وضعها في صدارة أي تفاوض مع إيران، مثل برنامج الصواريخ الباليستية ودعم الحلفاء الإقليميين، لم تكن ضمن المكاسب التي حصلت عليها تل أبيب من الاتفاق الجديد.

وفي المقابل، حصلت طهران على مساحة أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية من خلال تخفيف بعض القيود المرتبطة بقطاع النفط وفتح قنوات تفاوض جديدة.

داخلياً، بدأت التداعيات السياسية تظهر بوضوح. فبعد أن قدم نتنياهو الحرب باعتبارها معركة تاريخية ستغير وجه المنطقة، جاءت استطلاعات الرأي لتكشف تراجع الثقة الشعبية في قدرة الحكومة على تحقيق الأهداف المعلنة.

وتصاعدت الانتقادات داخل إسرائيل بشأن إدارة الأزمة والعلاقة مع الإدارة الأمريكية.

ولعل المفارقة الأكبر أن الحرب التي كان يفترض أن تعزز مكانة نتنياهو السياسية، تحولت إلى عامل ضغط إضافي عليه، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد التساؤلات حول جدوى الرهان الدائم على الحلول العسكرية وحدها.

في المقابل، كشفت التطورات الأخيرة عن حقيقة مهمة في السياسة الدولية، وهي أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها صناعة الاستقرار الدائم.

فالحروب قد تفرض وقائع مؤقتة، لكنها نادراً ما تنتج حلولاً نهائية، بينما تظل التسويات السياسية والدبلوماسية هي الطريق الأكثر قدرة على إدارة الصراعات طويلة الأمد.

وفي خضم هذه التحولات، برز الدور المصري بصورة لافتة، فبينما كانت المنطقة تتأرجح بين التصعيد والتهدئة، تمسكت القاهرة بخيار الحلول السياسية والحفاظ على استقرار الممرات البحرية ورفض توسيع دائرة الصراع، وهو موقف أثبتت الأحداث المتلاحقة أنه كان الأكثر اتزانًا وواقعية.

وفى النهاية: التاريخ لا يتذكر فقط من أطلق الرصاصة الأولى، بل يتذكر أيضاً من استفاد من النتائج.

واليوم، وبينما تتجه المنطقة نحو مسار تفاوضي جديد، يبقى السؤال مطروحاً: إذا كانت الحرب قد انتهت باتفاقات وحلول سياسية، فهل كان يمكن الوصول إلى هذه النتيجة دون كل هذا الدمار؟ والأهم من ذلك، هل سيدخل نتنياهو الانتخابات المقبلة باعتباره الرجل الذي حمى إسرائيل، أم الرجل الذي خاض الحرب التي انتهت بعكس ما أراد؟

الأيام القادمة وحدها ستجيب، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط بعد هذه الحرب ليس كما كان قبلها، وأن نتنياهو ربما يواجه الآن أصعب معركة في مسيرته، معركة البقاء السياسي.

اقرأ أيضاًالشخصية المصرية عبر التاريخ.. هوية تتجدد وجذور لا تنقطع

هدم الأوطان.. حين تتحول الحرب إلى معركة على الوعي والهوية

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts