مقالات

حين تصبح العقول ميدان الحرب.. مصر في مواجهة معركة الوعي – الأسبوع

لم تعد أخطر الحروب هي تلك التي نسمع فيها صوت المدافع ونرى فيها الدبابات تتحرك على الأرض. فالعالم دخل مرحلة جديدة من الصراع أصبحت فيها المعركة الحقيقية تدور داخل الإنسان نفسه.

قد تستطيع دولة أن تحمي حدودها بالجيش، وأن تؤمن سماءها بالقوات الجوية، وأن تحمي مياهها الإقليمية بأساطيلها البحرية، لكن السؤال الأصعب هو كيف تحمي عقول مواطنيها من سيل هائل من المعلومات والشائعات والدعاية التي تعبر الحدود في لحظات ولا تحتاج إلى جندي واحد حتى تصل إلى ملايين البشر هنا تبدأ حروب الوعي.

في هذه الحرب لا تحتاج الجهة التي تريد إضعاف مجتمع إلى احتلال أرض أو إسقاط حكومة يكفي أن تنجح في زرع الشك، وتوسيع مساحة الغضب، وتحويل الاختلاف إلى خصومة، والأزمة إلى حالة دائمة من الإحباط، والأخطر أن السلاح في هذه المعركة قد يكون مجرد هاتف محمول.

صورة قديمة يعاد نشرها باعتبارها حدثًا جديدًا، فيديو مقتطع من سياقه، تسجيل صوتي مجهول المصدر، أو منشور كتبه حساب لا يعرف أحد صاحبه. خلال ساعات تنتقل المادة بين آلاف الصفحات والحسابات، ثم تصبح حديث الناس وكأن انتشارها منحها شهادة بالحقيقة.

وهنا يجب أن نتوقف أمام سؤال بسيط لكنه بالغ الأهمية، هل انتشار المعلومة يعني أنها صحيحة؟.. بالطبع لا.

لكن جزءًا من خطورة العالم الرقمي أن السرعة أصبحت أهم من الدقة، والإثارة أهم من التحقق، وعدد المشاهدات أصبح عند البعض معيارًا للحقيقة.

والأمر لا يتوقف عند صفحات مجهولة. فقد تبدأ رواية ما في مكان، ثم تتلقفها منصات إعلامية لها جمهور واسع، وتقدمها في صورة خبر أو تحليل، ثم تنتقل مرة أخرى إلى مواقع التواصل، فتدخل في دائرة مغلقة يصبح فيها التكرار دليلًا وهميًا على المصداقية.

وهنا تختفي الحدود بين الخبر والرأي، وبين التحليل والدعاية، وبين النقد السياسي ومحاولة صناعة حالة عامة من الإحباط.

ولست هنا أدعو إلى تجاهل الأخطاء أو رفض النقد.على العكس، فالدولة التي لا تسمع النقد ولا تعترف بمشكلاتها لا تستطيع أن تطور نفسها. والمواطن الذي ينتقد أداء مؤسسة أو مسؤول لا يصبح خصمًا للدولة لمجرد أنه يطرح سؤالًا صعبًا، لكن هناك فارقًا كبيرًا بين النقد الذي يبحث عن الإصلاح، والخطاب الذي لا يرى في الوطن إلا صورة سوداء، وهذا الفارق يجب أن ننتبه إليه جيدًا.

من أكثر المشاهد التي تلفت انتباهي في النقاشات اليومية أن يتحول الهاتف المحمول إلى مرجع سياسي عند بعض الناس. يبدأ الحديث عن قضية إقليمية أو أزمة دولية، فيخرج أحدهم هاتفه ويقول بثقة “شوف الفيديو ده” أو “اقرأ البوست ده”، ثم يصبح المقطع القصير هو الدليل النهائي.

وقد يكون الشخص الذي أمامك حاصلًا على أعلى الشهادات، لكنه لم يسأل عن مصدر الفيديو، ولا تاريخ تسجيله، ولا الجهة التي نشرته، ولا ما إذا كان قد جرى اجتزاؤه من سياقه.

وهنا ندرك أن التعليم وحده لا يصنع الوعي، فالوعي ليس كمية المعلومات التي يمتلكها الإنسان، وإنما قدرته على التعامل معها. أن يعرف متى يصدق ومتى يشك، ومتى يبحث عن مصدر آخر، ومتى يقول ببساطة “لا أعرف”، وهذه في حد ذاتها ثقافة غائبة عند كثيرين.

لقد أصبحنا نعيش في عصر يستطيع فيه أي شخص أن ينشر معلومة خلال ثوان، بينما يحتاج تصحيحها أحيانًا إلى أيام. وقد تنتشر الشائعة في ساعات، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت طويل حتى تصل إلى الجمهور، ولهذا فإن معركة الوعي أصبحت جزءًا من الأمن القومي للدول.

الأمن القومي لم يعد حدودًا وجيشًا وأجهزة أمنية فقط، وإنما أصبح أيضًا قدرة المجتمع على حماية نفسه من التضليل، وعلى التمييز بين المعلومات الحقيقية والمحتوى المصمم للتأثير في مشاعره واتجاهاته، وهنا يأتي دور الدولة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والأسرة.

فالمدرسة يجب ألا تعلم الطالب ماذا يفكر فقط، بل كيف يفكر. والجامعة يجب أن تفتح أمام الباحث أبواب السؤال والمقارنة والتحليل. والإعلام يجب أن يدرك أن احترام عقل الجمهور هو أهم من مطاردة المشاهدات. والأسرة عليها أن تعلم أبناءها أن كل ما يصل إلى الهاتف ليس حقيقة بالضرورة.

أما المواطن فهو خط الدفاع الأول فإذا كان المواطن يمتلك وعيًا حقيقيًا فلن يكون من السهل تحويله إلى أداة في معركة لا يعرف أطرافها ولا أهدافها.

ومصر تحديدًا تمتلك تجربة تاريخية طويلة مع الحروب والصراعات ومحاولات التأثير في إرادة الدولة والمجتمع. ولذلك فإن حماية الوعي المصري ليست قضية إعلامية عابرة، وإنما قضية مرتبطة بالأمن الوطني والاستقرار الاجتماعي وقدرة الدولة على مواجهة الضغوط الخارجية والداخلية.

لكن حماية الوعي لا تعني صناعة مجتمع يرفض كل نقد أو يشك في كل معلومة. العكس هو الصحيح، المجتمع الواعي هو الذي يستطيع أن ينتقد دون أن يهدم، ويختلف دون أن يكره، ويعارض دون أن يتحول إلى أداة في يد الآخرين.

وفي عالم تتغير فيه خرائط النفوذ، لم تعد القوة وحدها كافية. فقد تمتلك دولة جيشًا قويًا واقتصادًا كبيرًا، لكنها تصبح أكثر هشاشة إذا فقد مواطنوها الثقة في أنفسهم وفي قدرتهم على فهم ما يحدث حولهم.

ولهذا فإن أخطر معركة قد تواجهها مصر في السنوات المقبلة ليست بالضرورة معركة على الحدود، وإنما معركة على العقل المصري.

من يملك القدرة على تشكيل وعي الناس يستطيع أن يؤثر في اتجاهاتهم، ومن يستطيع أن يزرع الخوف واليأس قادر على إضعاف المجتمع دون أن يطلق رصاصة واحدة.

ومن هنا يجب أن ندرك أن الهاتف المحمول ليس عدوًا، ومواقع التواصل ليست عدوًا، والتكنولوجيا ليست عدوًا، العدو الحقيقي هو غياب العقل النقدي.

فالمواطن الذي يبحث قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن ينشر، ويسأل قبل أن يحكم، يصبح أكثر صعوبة أمام حملات التضليل، وفي النهاية قد تخسر دولة معركة عسكرية وتستعيد قوتها، وقد تتعرض لأزمة اقتصادية وتتجاوزها، لكن خسارة الوعي أخطر من كل ذلك.

لأن الأرض يمكن استعادتها، والاقتصاد يمكن بناؤه من جديد، أما عندما يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين الحقيقة والوهم، فإن المعركة تصبح داخل عقله نفسه، وهنا تكون الحرب قد وصلت إلى أخطر مراحلها.

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

اقرأ أيضاًكيف عرفت الهواتف الذكية بالزلزال قبل أن يشعر به الناس؟

الاتفاقيات الدفاعية الجزئية في الشرق الأوسط.. هل أصبحت بديلًا لاتفاقية الدفاع العربي المشترك؟

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts