مطامع الأحباش في النيل.. تاريخ طويل من محاولات تعطيش مصر – الأسبوع

مطامع الأحباش في النيل.. تاريخ طويل من محاولات تعطيش مصر – الأسبوع

تُعد مسألة السيطرة على نهر النيل، وبالأخص النيل الأزرق، واحدة من أقدم وأخطر القضايا الجيوسياسية في تاريخ المنطقة، إذ ارتبطت عبر قرون طويلة بمحاولات متعددة لاستغلاله كورقة ضغط على مصر. ولم تكن فكرة تحويل مجرى النيل أو التأثير على تدفقه وليدة اللحظة الراهنة أو مرتبطة فقط بمشروع سد النهضة، بل هي امتداد تاريخي لمحاولات متكررة سعت إلى تطويع هذا الشريان الحيوي لخدمة أهداف سياسية واستراتيجية، اصطدمت في معظمها بعوائق الجغرافيا وتعقيدات الواقع.

في هذا السياق، تعود أولى المحاولات البارزة إلى أواخر القرن الخامس عشر، حين خرج أسطول برتغالي من لشبونة في 8 يوليو 1497 بقيادة فاسكو دي جاما، مدعوماً من البابا ألكسندر السادس، الذي منح الحملة غطاءً دينياً وسياسياً بهدف السيطرة على طرق التجارة الشرقية وكسر شوكة العالم الإسلامي، وعلى رأسه مصر التي كانت قد أنهت الوجود الصليبي في القدس، وعندما وصل دي جاما إلى سواحل موزمبيق، كتب إلى البابا قائلاً: «الآن طوقنا المسلمين ولم يبق إلا أن نشد الخيط»، في إشارة إلى اقتراب تنفيذ مخططاته.

وعند وصوله إلى الحبشة، لقي ترحيباً من ملكها، خاصة بعد أن عرض مشروعاً يتمثل في تحويل مجرى النيل الأزرق إلى البحر الأحمر، بما يؤدي إلى حرمان مصر من مياهها، ومن ثم تعريض شعبها للجوع والعطش. إلا أن هذا المشروع، رغم خطورته، ظل حبراً على ورق، نظراً لاستحالة تنفيذه في ظل الطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة.

وفي عام 1513، عادت الفكرة للظهور مجدداً في إطار الصراع بين المماليك والبرتغاليين للسيطرة على طرق التجارة القادمة من الهند، حيث دخل القائد البرتغالي ألفونسو دي ألبوكيرك إلى البحر الأحمر، واتفق مع ملك الحبشة على تنفيذ مشروع تحويل مجرى النيل الأزرق. وقد انتظر في جزر كمران وصول أعداد كبيرة من العمال الذين طلبهم من جزر ماديرا، بهدف شق الصخور وتغيير مسار النهر، إلا أن المشروع فشل مرة أخرى بسبب صعوبة التنفيذ على أرض الواقع.

وفي مطلع القرن الثامن عشر، وتحديداً عام 1705، ظهرت المحاولة في إطار أوروبي أوسع، حين سعى لويس الرابع عشر إلى تنفيذ المشروع بالتنسيق مع ملك الحبشة، وأرسل مبعوثه «لانوا ردي رول» محملاً بالهدايا إلى مملكة سنار. إلا أن التحرك قوبل برد حاسم من الوالي العثماني على مصر محمد باشا، الذي أرسل قوة من المماليك اعترضت البعثة وقتلت أفرادها، ما أدى إلى إفشال المخطط واندلاع حرب بين الحبشة وسنار انتهت بهزيمة الأحباش.

وفي القرن التاسع عشر، وتحديداً في نوفمبر 1856 خلال حكم سعيد باشا، اندلع نزاع حدودي بين مصر والحبشة في شرق السودان، حاول خلاله الإمبراطور تيودور الثاني إعادة طرح فكرة تحويل مجرى النيل الأزرق نحو البحر الأحمر، إلا أن هذه المحاولة، كسابقاتها، لم تنجح.

أما في القرن العشرين، فقد عادت الفكرة إلى الواجهة أثناء الاحتلال الإيطالي للحبشة عام 1935، حيث درس الإيطاليون إمكانية تحويل مياه النيل الأزرق لمنع وصولها إلى مصر، غير أنهم اصطدموا بعقبات التضاريس القاسية، ما جعل التنفيذ غير ممكن من الناحية الهندسية.

ومع ستينيات القرن العشرين، أخذت القضية بعداً جديداً، إذ ظهرت فكرة إنشاء سدود إثيوبية على النيل بدعم أمريكي، غير أن الرئيس جمال عبد الناصر نجح في تعطيل هذه التوجهات عبر أدوات سياسية وإقليمية متعددة، شملت علاقاته مع الإمبراطور هيلا سيلاسي، واستخدام أوراق ضغط داخلية، ودعم حركات معارضة، إلى جانب توظيف نفوذ البابا كيرلس السادس، فضلاً عن دعمه لاستضافة أديس أبابا لمقر منظمة الوحدة الأفريقية التي أصبحت الاتحاد الأفريقي حاليًا، بما عزز من قدرته على إدارة التوازنات الإقليمية.

وفي عهدي أنور السادات وحسني مبارك، استمرت مصر في منع إقامة سدود إثيوبية على النيل من خلال التهديد الصريح باستخدام القوة العسكرية، دون اللجوء إلى تنفيذ فعلي، كما سعى السادات إلى بناء تحالفات إقليمية، من بينها التحالف مع الصومال ضد إثيوبيا، بينما عزز مبارك علاقاته مع إريتريا في إطار سياسة احتواء النفوذ الإثيوبي.

ولم تبدأ إثيوبيا فعلياً في تنفيذ مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير إلا بعد خروج مبارك من السلطة في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، حيث استغلت حالة الاضطراب السياسي والأمني التي شهدتها مصر آنذاك، لتدشين المشروع الذي يمثل أخطر تطور في هذا الملف عبر التاريخ.

في المحصلة، يكشف هذا المسار التاريخي أن فكرة التحكم في مياه النيل لم تكن طارئة، بل مشروعاً متكرراً عبر العصور، ظل يصطدم بعوائق الجغرافيا والتوازنات السياسية، إلى أن وجد فرصة للتقدم في لحظة إقليمية مضطربة، وهو ما يطرح تساؤلات استراتيجية حول مستقبل الصراع على المياه في المنطقة، في ظل تحولات دولية وإقليمية متسارعة تعيد تشكيل موازين القوة من جديد.

اقرأ أيضاًوزير خارجيتنا و«مائدة» بوتين

مفيد شهاب.. صرامة الأكاديمي وحنكة السياسي

ترامب: الرئيس السيسي قائد عظيم وسنعمل معا للوصول لتسوية بشأن سد النهضة

Exit mobile version