مصر وإعادة هندسة الإقليم: كيف يمكن توظيف الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لصياغة معادلة قيادة إقليمية جديدة
في لحظات الاضطراب الكبرى تُعاد كتابة الخرائط، ليس فقط الجغرافية، بل خرائط النفوذ والتأثير والمعادلات الحاكمة. والحرب الدائرة بمستوياتها المختلفة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى تمثل واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تتيح لقوة إقليمية ذات تاريخ ووزن مثل مصر أن تتحرك من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، بل إلى موقع إعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها.
الجذور التاريخية للدور المصري في الخليج
هذا الدور لا يمكن فهمه دون العودة إلى الأساس الذي بنيت عليه المكانة المصرية في الإقليم وهو شبكة العلاقات الممتدة مع دول الخليج العربي، وهي علاقات لم تبن فقط على السياسة بل على عملية تاريخية طويلة من بناء الإنسان والمؤسسات والوعي.
فمنذ منتصف القرن العشرين، ومع بدايات تشكل الدولة الحديثة في الخليج، لعبت مصر دورا مركزيا في نقل الخبرة التعليمية والإدارية، حيث تدفقت الكوادر المصرية من أطباء ومعلمين وأكاديميين وقضاة ومهندسين، لتشكل العمود الفقري لمراحل التأسيس الأولى في هذه الدول. لم يكن ذلك مجرد تصدير للعمالة، بل كان نقلا لنموذج ثقافي وتعليمي متكامل، ساهم في تشكيل النخب الخليجية الأولى.
القوة الناعمة والصلبة في بناء القيادة المصرية
وفي الوقت ذاته، كانت القوة الناعمة المصرية، من خلال السينما والأدب والموسيقى، تخلق فضاء ثقافيًا عربيًا مشتركا، جعل من مصر مرجعية ذهنية وثقافية، وهو ما منحها قدرة فريدة على التأثير غير المباشر بالتوازي مع ذلك، جاء دور القوة الصلبة في عهد جمال عبد الناصر ليضيف بعدا آخر، حيث ارتبط اسم مصر بدعم حركات التحرر العربي ومقاومة الاستعمار، سواء في الجزائر أو اليمن أو في مواجهة العدوان الثلاثي، كما لعبت مصر دورا محوريا في حماية استقلال الكويت عام 1961، وفي تحريرها عام 1991، وهو ما رسخ صورة مصر كقائد طبيعي للإقليم، لا فقط كشريك فيه.
الحرب الراهنة كفرصة استراتيجية
هذا الإرث التاريخي يخلق اليوم قاعدة يمكن البناء عليها في لحظة الصراع الراهن. فالحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل سواء كانت مباشرة أو عبر الوكلاء لم تعد مجرد صراع بين أطراف متباعدة، بل أصبحت صراعًا يُدار جزئيًا من داخل الجغرافيا الخليجية، عبر القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة هناك.
طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج
يجب النظر بوضوح إلى طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج. فرغم تسويقه كمظلة حماية، إلا أن الواقع الجيوسياسي يكشف عن أبعاد أكثر خطورة.
القواعد الأمريكية كأداة لحماية إسرائيل
لقد ثبت بعد اندلاع الحرب الحالية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، إن القواعد الأمريكية المنتشرة في الإقليم لم تعد تخدم أمن الخليج بقدر ما أصبحت «خط دفاع أمامي» ومراكز إسناد لوجستي واستخباراتي لخدمة التفوق الإسرائيلي.. هذا الوجود يضمن بقاء إسرائيل كلاعب مهيمن، ويمنع نشوء أي توازن قوى حقيقي يخدم المصالح العربية الخالصة.
تهديدات الوجود الأمريكي للأمن القومي المصري
تهديد الأمن القومي المصري: إن تحويل المنطقة إلى ثكنة عسكرية أمريكية يمثل تهديدًا مباشرًا لمصر. فأي مواجهة كبرى تنطلق من هذه القواعد ستؤدي بالضرورة إلى إغلاق ممرات ملاحية حيوية مثل «باب المندب وقناة السويس»، وتضع الدولة المصرية بين فكي رحى: إما الانخراط في صراع لا يخدم مصالحها، أو تحمل التبعات الاقتصادية والأمنية الكارثية لصدام إقليمي لا تملك السيطرة عليه. لذا، فإن استمرار هذا الوجود يعيق استقلال القرار الاستراتيجي المصري.
كما أن هذه القواعد العسكرية الأمريكية حولت دول الخليج إلى مسرح عمليات حربية، وجعلها عرضة للانخراط في صراعات ليست بالضرورة في صميم مصالحها.
المبادرة المصرية كوسيط إقليمي
من هنا تبرز فرصة مصر، لا كطرف في الصراع، بل كوسيط قادر على إعادة تعريف شروطه. يمكن لمصر أن تقود مبادرة تفاوضية غير معلنة، تقوم على فتح قناة اتصال سرية بين القاهرة ودول الخليج، وإيران بهدف الوصول إلى صيغة من الضمانات المتبادلة، هذه الضمانات يمكن أن تقوم على مبدأ بسيط لكنه حاسم عدم استخدام الأراضي الخليجية كمنصة لشن هجمات على إيران مقابل التزام إيراني واضح بعدم استهداف دول الخليج أو تهديد أمنها.
نحو معادلة أمن إقليمي جديدة
هذه المبادرة السرية، إذا ما أُديرت بذكاء، لا تعني فقط احتواء التصعيد، بل تمثل خطوة أولى نحو بناء معادلة إقليمية جديدة، تقوم على تقليل الاعتماد على القوى الخارجية، وإعادة توزيع أدوار الأمن داخل الإقليم نفسه.
وهنا يصبح الحديث عن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج ليس مجرد مسألة سياسية، بل مسألة مرتبطة بإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي.
فاستمرار هذا الوجود بالشكل الحالي يربط أمن الخليج مباشرة بالاستراتيجية الأمريكية، ويجعله جزءًا من أي مواجهة أمريكية مع إيران، بل ويجعله بشكل غير مباشر – امتدادًا للقدرة الاستراتيجية الإسرائيلية.
إنهاء الاعتماد على القوى الخارجية وبناء بديل إقليمي
من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التخلص من هذا الوجود كهدف استراتيجي، يخدم ليس فقط دول الخليج، بل أيضا الأمن القومي المصري، الذي يتأثر بأي اختلال كبير في توازن القوى الإقليمي، لكن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم عبر المواجهة، بل عبر بناء بديل إقليمي مقنع، وهو ما يعيدنا إلى فكرة القيادة المصرية.
إعادة تعريف العلاقة مع إيران
الخطوة الأكثر حساسية في هذا المسار تتمثل في إعادة تعريف العلاقة مع إيران. فبدلا من التعامل معها كخصم، دائم، يمكن لمصر أن تعمل على إدماجها تدريجيًا في نظام إقليمي قائم على المصالح الظروف الحالية قد تتيح فرصة لذلك، خاصة مع الضغوط التي تواجهها إيران، وتراجع بعض أدوات نفوذها الإقليمي، وهو ما قد يدفعها للبحث عن تسويات تحفظ لها مكانتها دون الدخول في مواجهات مفتوحة.
هنا يمكن لمصر أن تقدم نفسها كوسيط نزيه وكضامن لأي تفاهمات، مستفيدة من موقعها غير التصادمي مع طهران.
التمركز الدولي منظمة شنغهاي والبريكس
بالتوازي مع هذا التحرك السياسي، تحتاج مصر إلى تعزيز أدواتها الاقتصادية والاستراتيجية عبر الانخراط الفعال في أطر دولية بديلة، مثل منظمة شنغهاي للتعاون، التي توفر منصة للتعاون الأمني والاقتصادي دون فرض التزامات عسكرية صارمة، انضمام مصر كعضو دائم في منظمة شنغهاي للتعاون سيمثل تحولا استراتيجيًا في تموضعها الدولي، لأنها ستكون أول دولة عربية وأفريقية تنضم للمنظمة مما سيفتح أمامها آفاقا أوسع للاندماج في منظومة أوراسية تقودها قوى كبرى مثل الصين وروسيا، بما يعزز من قدرتها على تنويع شراكاتها بعيدا عن الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة والغرب.
كما يتيح هذا الانضمام لمصر فرصا أكبر في مجالات الاستثمار والطاقة والبنية التحتية، خاصة في ظل ارتباط المنظمة بمبادرات اقتصادية كبرى، فضلا عن تعزيز التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات مع دول تمتلك خبرات متنوعة في هذا المجال.
وعلى المستوى الجيوسياسي، يمنح الانخراط الكامل داخل المنظمة القاهرة مساحة أوسع للمناورة في النظام الدولي المتجه نحو التعددية القطبية، ويعزز دورها كقوة إقليمية قادرة على الربط بين دوائر الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بما يدعم رؤيتها لإعادة هندسة توازنات الإقليم على أسس أكثر استقلالا وتنوعًا.
وكذلك استغلال وجود مصر بمجموعة بريكس، التي تتيح لمصر الوصول إلى مصادر تمويل جديدة من خلال بنك التنمية الجديد بما يقلل من اعتمادها على المؤسسات المالية الغربية ويمنحها هامشا أكبر من الاستقلالية.
توسيع هامش المناورة في النظام الدولي
كما أن انخراط مصر النشط في هذه التكتلات يمنحها ورقة تفاوضية إضافية في علاقاتها مع الغرب، إذ تتحول من دولة متلقية للسياسات إلى لاعب قادر على إعادة توزيع خياراته، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرتها في فرض رؤيتها الإقليمية، فكلما توسعت بدائل مصر الدولية، زادت قدرتها على إقناع شركائها الإقليميين بأن هناك نظاما عالميًا جديدًا يتشكل، وأن اللحاق به يتطلب إعادة تموضع جماعي، وليس مجرد سياسات فردية متفرقة.
تصور الحلف الدفاعي الإقليمي
كل هذه المسارات يمكن أن تلتقي في فكرة تأسيس تحالف دفاعي إقليمي تقوده مصر بالتعاون مع دول الخليج، على أن يكون تحالفا ذا طبيعة دفاعية، يركز على حماية الممرات البحرية وأمن الطاقة ومكافحة الإرهاب، دون أن يكون موجها ضد إيران، بل مفتوحًا لإدماجها ضمن ترتيبات أمنية أوسع هذا النوع من التحالفات لا يلغي الخلافات، لكنه ينقلها من مستوى الصراع إلى مستوى الإدارة.
أدوات الضغط والتأثير المصرية
يمكن لمصر، في سبيل تحويل هذا التصور إلى واقع عملي، أن توظف حزمة متكاملة من أدوات الضغط والتأثير لإقناع دول الخليج بالانضمام إلى الحلف الدفاعي العربي المقترح، دون أن يبدو ذلك في صورة إكراه مباشر، بل في إطار إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية.
تبدأ هذه الأدوات من ورقة الاعتماد الأمني، حيث تمتلك مصر أحد أكبر الجيوش في المنطقة وأكثرها خبرة نظامية، وهو ما يمنحها قدرة على طرح نفسها كبديل موثوق للمظلة الأمنية الخارجية، خاصة في ظل تزايد الشكوك حول كلفة وموثوقية الحماية الأمريكية.
كما يمكن لمصر توظيف عمقها البشري ودورها التاريخي في بناء مؤسسات الخليج عبر إعادة تفعيل شبكات النخب المتعلمة والمتأثرة بالنموذج المصري، بما يعزز من القبول السياسي والفكري لفكرة القيادة المصرية وعلى المستوى الاقتصادي، تستطيع القاهرة استخدام أدوات مثل التكامل في مشروعات الطاقة والربط الكهربائي، وتأمين سلاسل الإمداد، كحوافز إيجابية مشروطة بالانخراط في الإطار الدفاعي الجديد، بما يحوّل الحلف من مجرد ترتيب أمني إلى منظومة مصالح متشابكة.
وفي المقابل، يمكن التلويح بصورة غير مباشرة بمخاطر الاستمرار في الوضع القائم، من حيث تعرض دول الخليج لتبعات الصراعات الكبرى نتيجة ارتباطها بالبنية العسكرية الأمريكية، وهو ما يجعل خيار الحلف العربي ليس فقط بديلًا أفضل، بل ضرورة استراتيجية لتقليل المخاطر. بهذه المقاربة، تجمع مصر بين الضغط الناعم والحوافز الصلبة، لتدفع نحو تشكيل كتلة إقليمية جديدة تعيد توزيع موازين القوة داخل المنطقة.
استراتيجية الاختراق الانتقائي
وإذا ما واجهت هذه الجهود مقاومة من بعض دول الخليج، يمكن لمصر أن تلجأ إلى استراتيجية «الاختراق الانتقائي»، عبر التركيز على استقطاب دول بعينها تمتلك سياسات خارجية أكثر استقلالية ومرونة، مثل سلطنة عمان وقطر والعمل على إدماجها مبكرًا في ترتيبات الحلف أو في صيغ تعاون أمني واقتصادي موازية نجاح مصر في بناء نواة صلبة تضم هذه الدول سيخلق واقعًا جديدًا على الأرض، يحول الحلف من فكرة مطروحة إلى إطار قائم بالفعل، وهو ما يزيد من كلفة البقاء خارجه بالنسبة لبقية دول الخليج.
فمع تشكل كتلة أولية فاعلة، ستجد الدول المتحفظة نفسها أمام معادلة مختلفة إما الانضمام لاحقا بشروط أقل تأثيرا، أو المخاطرة بالعزلة الاستراتيجية وفقدان القدرة على التأثير في قواعد الترتيب الإقليمي الجديد.بهذه الآلية، يتحول الضغط من كونه مباشرًا إلى ضغط بنيوي ناتج عن تغير موازين التفاعل داخل الإقليم نفسه.
بين القيادة أو التهميش
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بقدرة مصر على التحرك، بل بقدرتها على تخيل نظام إقليمي مختلف، ثم العمل تدريجيًا على تحويل هذا التصور إلى واقع.
فمصر تمتلك ما لا تمتلكه كثير من دول المنطقة تاريخا من القيادة، وأدوات تأثير متعددة، وعلاقات متشابكة مع الأطراف. وإذا ما أحسنت توظيف هذه العناصر، فإنها لا تستطيع فقط احتواء أزمة، بل يمكنها أن تعيد صياغة الإقليم كله.
الخلاصة الواضحة بدون تزيين:
الفرصة موجودة، لكنها لن تنتظر طويلًا.. إما أن تتحرك مصر لتقود، أو تظل جزءًا من مشهد يكتبه الآخرون.
اقرأ أيضاًالاتحاد الأوروبي: اتفاق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران خطوة إيجابية لخفض التصعيد
جوتيريش يرحب بإعلان واشنطن وطهران وقفا لإطلاق النار لمدة أسبوعين
المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي يشيد بجهود مصر والشركاء الإقليميين في وقف إطلاق النار
