طارق عبد الحميد
طارق عبد الحميد
مع انشغال العالم ومنطقتنا بتداعيات الحرب “الأمريكية- الإسرائيلية” على إيران واستمرار هدنة وقف القتال من عدمها، قامت إسرائيل مؤخرًا بخطوة خطيرة أثارت عاصفة من التنديد الإقليمي حين أعلنت عن تعيين أول سفير لها في إقليم “أرض الصومال” الانفصالي، في تتويج لقرار اعترافها الرسمي بالإقليم الذي اتخذته أواخر عام 2025م.
ولا يمثل هذا الإجراء مجرد تبادل دبلوماسي، بل هو زلزال جيوسياسي يضرب أسس السيادة الصومالية ويستهدف العمق الاستراتيجي للأمن القومي العربي بأسره، حيث تكمن الخطورة المباشرة لهذا الإجراء في الموقع الجغرافي الفريد لأرض الصومال، المطلة على خليج عدن ومدخل البحر الأحمر.
إن الوجود الإسرائيلي الدبلوماسي – والذي يمهد حتمًا لتعاون استخباراتي وعسكري- يعني منح تل أبيب موطئ قدم دائما عند مضيق باب المندب، وهو ما يسمح لإسرائيل بمراقبة وتطويق حركة الملاحة العربية، وتحويل القرن الإفريقي إلى منصة متقدمة لتهديد المصالح الحيوية للدول العربية المطلة على البحر الأحمر!
بالنسبة للقاهرة، يمثل هذا التطور تحديًا وجوديًا يفوق مجرد التضامن مع الصومال، إذ يمثل هذا الإجراء الإسرائيلي تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، حيث إن التواجد الإسرائيلي بأرض الصومال يعني التأثير في مدخل البحر الأحمر بما يمس مباشرة عصب الاقتصاد المصري (قناة السويس)، فضلًا عن أن التحالف الإسرائيلي مع كيانات القرن الإفريقي يأتي ليعزز سياسة “المحاور الموازية” التي قد تُستخدم كأداة ضغط في ملفات إقليمية حساسة، منها سد النهضة وتعزيز النفوذ في منابع النيل، إضافة إلى رؤية مصر التحذيرية من أن دعم الكيانات الانفصالية سابقة خطيرة تهدد وحدة الدول العربية والإفريقية، مما يفتح الباب لدوامة من الفوضى الحدودية.
ومن ناحية أخرى، قوبلت الخطوة الإسرائيلية برفض قاطع من جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. فقد اعتبرت القاهرة والرياض ومقديشو، إلى جانب عواصم كبرى مثل أنقرة وجاكرتا، أن هذا التعيين “انتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”. وصدرت بيانات مشتركة تشدد على أن وحدة الصومال خط أحمر وأن السيادة الصومالية وحدة لا تتجزأ، وأي اعتراف بكيان انفصالي هو اعتداء على الشرعية الدولية، كما أن زرع “قواعد نفوذ” إسرائيلية في منطقة تعاني أصلًا من الهشاشة الأمنية سيفاقم من صراعات المحاور ويهدد السلم الإقليمي.
وخلاصة الأمر، إن تعيين سفير إسرائيلي في “هرجيسا” – عاصمة أرض الصومال- ليس فعلًا سياديًا، بل هو “لغم سياسي” أقرب إلى المقامرة السياسية يستهدف تمزيق النسيج العربي في شرق إفريقيا. كما أن مواجهة هذا التغلغل تتطلب استراتيجية عربية موحدة، تبدأ بدعم الدولة المركزية في الصومال، وتنتهي بقطع الطريق أمام تحويل البحر الأحمر إلى “بحيرة نفوذ” للقوى الخارجية.









