مقالات

عمالقة الكلمة وسدنة الأسرار.. رحلة في عقل بهاء وهيكل – الأسبوع

لم تكن الصحافة المصرية في عصرها الذهبي مجرد نقل للخبر، بل كانت صياغة للتاريخ ورصدًا لزلازل السياسة قبل وقوعها.

إن تأمل العلاقة بين القمم الصحفية والسلطة يكشف عن خفايا النفس البشرية بقدر ما يكشف عن كواليس صناعة القرار.

تبدأ الحكاية من دار الهلال عام 1969، حيث كان أحمد بهاء الدين يمثل «الأستاذ» بكل ما تحمله الكلمة من هيبة ومعرفة (1). ولم تكن علاقة بهاء بهيكل مجرد زمالة مهنية، بل كانت تحالفًا بين مدرستين فريدتين في الفكر والأسلوب.

إن قرار السادات بإقالة هيكل عام 1974 لم يكن وليد لحظة سياسية عابرة، بل كان نتاج «عقدة رؤية»، فالسادات لم يغفر لهيكل أنه «شاهده» في لحظات إنسانية صعبة تحت حكم عبد الناصر. هذا الربط بين النفسي والسياسي هو ما يميز رؤية بهاء الدين الثاقبة.

في عام 1985، وفي شرفة هادئة بباريس، تجلت قدرة أحمد بهاء الدين على قراءة المشهد برؤية استشرافية (2).

هناك، كشف بهاء عن أسرار كانت حينها طي الكتمان:

– تنظيم «ثورة مصر»: الحديث عن التنظيم الذي ارتبط باسم نجل الزعيم جمال عبد الناصر وعملياته ضد أهداف إسرائيلية في القاهرة (3).

– موقف مبارك من إسرائيل: وصفه بالوطنية ورفضه القاطع لزيارة القدس، مفضلًا «مسح البلاط» على الرضوخ للضغوط الإسرائيلية (4).

– التوصيف الصادم: رغم تقديره لشخص مبارك، إلا أن بهاء أطلق حكمه التاريخي بأن مبارك يمتلك عقلية «الباشكاتب» لا «رجل الدولة» القادر على قيادة أمة بحجم مصر (5).

إن إدراك الفارق بين جيل العمالقة وما تلاه يتجاوز مجرد «الأسلوب». نحن نتحدث عن:

– الثقافة العميقة: امتلاك ناصية اللغات الأجنبية والاطلاع على أمهات الكتب.

– الرؤية الإستراتيجية: القدرة على الربط بين حدث محلي صغير وتحول دولي كبير.

– إدراك قيمة الخبر: الوصول إلى المعلومة “المجهولة” التي لا تظهر إلا بعد أسابيع.

لقد كان هيكل وبهاء في كفة، وباقي الصحافة في كفة أخرى، ليس تعمداً للتمايز، بل لأن تكوينهما كان يمثل «مؤسسة فكرية» تمشي على قدمين.

تظل تجربة العمل مع أحمد بهاء الدين والانخراط في مدرسة هيكل هي المعيار الحقيقي للصدارة الصحفية.

إن شهادات التاريخ تؤكد أن الصراع بين «رجل الدولة» و«الصحفي المثقف» هو صراع أزلي على الحقيقة، حيث يمتلك الصحفي الذاكرة، بينما يمتلك الحاكم السلطة، وعندما تلتقي الذاكرة بالثقافة العميقة، تولد الصحافة التي تعيش عبر العصور.

المصادر الأساسية:

(1) كتاب: «فاروق وسادات»، أحمد بهاء الدين، دار الهلال، ص 142، طبعة 1987.

(2) دراسة: «الصحافة والسياسة في مصر»، الدكتور محمد سيد أحمد، دار المستقبل العربي، ص 88، 1990.

(3) كتاب: «ثورة مصر: أسرار التنظيم الغامض»، عادل حمودة، مكتبة مدبولي، ص 55، 1989.

المصادر الفرعية:

(4) كتاب: «بين الصحافة والسياسة»، محمد حسنين هيكل، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ص 210، 1984.

(5) دراسة: «نخبة الفكر في العصر الجمهوري»، فريق مركز الأهرام للدراسات السياسية، ص 115، 1995.

(6) كتاب: «أحمد بهاء الدين: سيرة ومسيرة»، إبراهيم عامر، دار الشروق، ص 72، 1998.

اقرأ أيضاً(130) عامًا على ميلاد “أمير الصحافة”

الشوربجي: تاريخ الصحافة المصرية زاخر برائدات استثنائيات.. و«الأهرام ستايل» أول بوابة رقمية متخصصة للمرأة

7 عقود من العطاء الفكري.. محمد حسنين هيكل أحد أبرز أعمدة الصحافة العربية

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts