مقالات

بين الستين يومًا وموازين الردع الجديدة.. هل يُعاد تشكيل الشرق الأوسط خارج منطق الحسم؟

محمد سعد عبد اللطيف كاتب وباحث في الجيوسياسية

في لحظات التحول الكبرى في الجغرافيا السياسية لا تُقاس النتائج بالتصريحات الرسمية ولا بالاتفاقات المعلنة، بل بما يتسرب من خلف الستار: تغيّر قواعد الاشتباك، وإعادة تعريف حدود التصعيد، وتبدل أدوار القوى الإقليمية من الفعل المباشر إلى إدارة التأثير عن بُعد.

ما يجري في العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران لا يبدو اتفاقًا بالمعنى التقليدي، بل أقرب إلى “هدنة اختبار” تُدار فيها الأزمة بدل إنهائها، هدنة تُقاس زمنياً بما يشبه نافذة الستين يومًا، وهي ليست رقمًا تفاوضيًا بقدر ما هي مساحة سياسية وأمنية لاختبار نوايا الأطراف وقدرة كل طرف على ضبط الجبهات أو تفجيرها.

خلال هذه المهلة، لا تتوقف الحرب فعليًا بقدر ما تُعاد هندستها: بعض الساحات تُجمَّد، وأخرى تُدار تحت سقف محسوب من الاشتباك، فيما تُترك الملفات الأكثر حساسية معلقة بانتظار ما ستسفر عنه موازين الردع، لا موازين التوقيع.

الستون يومًا: اختبار الردع لا صناعة السلام

الحديث عن “ستين يومًا” يعكس في جوهره منطق إدارة الأزمة لا حلها. فهي فترة مراقبة دقيقة لثلاثة مسارات متوازية:

قدرة الأطراف على ضبط الجبهات المشتعلة.

حدود الاستنزاف العسكري والسياسي.

واستعداد القوى الكبرى لتحمل كلفة التصعيد أو التراجع عنه.

في مثل هذا السياق، لا يصبح الهدف إنهاء الصراع، بل منع تحوله إلى حرب شاملة خارج السيطرة. وهو فارق جوهري يعيد تعريف معنى “الاتفاق” في الشرق الأوسط: من وثيقة سلام إلى آلية تنظيم اشتباك.

مبادئ الصلح غير المعلنة

وراء أي تهدئة من هذا النوع، تعمل مجموعة من القواعد غير المكتوبة، أهمها:

إدارة الصراع بدل حسمه: إبقاء التوتر ضمن مستويات يمكن التحكم بها.

تفكيك وحدة الجبهات: منع تحول الإقليم إلى ساحة واحدة مفتوحة.

حماية الممرات الحيوية: خصوصًا الطاقة والملاحة الدولية.

توازن الردع بدل التفوق المطلق: بحيث لا يملك طرف القدرة على الإنهاء.

تقييد الفاعلين المحليين: وإعادة ضبط دورهم ضمن حدود وظيفية لا استراتيجية.

هذه المبادئ لا تُعلن، لكنها تُمارس كقانون غير مكتوب يحكم سلوك القوى الفاعلة.

إسرائيل وإعادة التموضع في معادلة الصراع

في قلب هذا التحول، يبرز سؤال حساس حول موقع إسرائيل في معادلة الصراع الإقليمي. فالمشهد لا يعكس غيابها، لكنه يعكس تغير وظيفتها من “مركز مبادرة” إلى “عنصر ضمن معادلة أكبر”.

ففي بيئة تتعدد فيها الجبهات وتتشابك فيها مصالح القوى الدولية، لم يعد بالإمكان إدارة صراع مفتوح وفق منطق التفوق العسكري وحده. بل باتت القدرة على ضبط الإيقاع أهم من القدرة على فرض الحسم.

وهنا يتبدل شكل الدور الإسرائيلي: من طرف يسعى لفرض نتائج نهائية، إلى طرف يتحرك داخل سقوف سياسية وعسكرية تُرسم خارج حدوده المباشرة.

نحو شرق أوسط بلا يقين

المؤشر الأعمق في هذا المشهد ليس احتمال الانتصار أو الهزيمة، بل حالة الإنهاك الاستراتيجي العام. جميع الأطراف خرجت من موجات التصعيد الأخيرة بقدرات أقل على المبادرة، وبحاجة أكبر إلى إدارة التوازن بدل كسره.

واشنطن تميل إلى تقليل كلفة الانخراط المباشر.

طهران تسعى لتثبيت معادلة الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

والقوى الإقليمية تتحرك داخل مساحة أضيق من أي وقت مضى، بين الضغط العسكري والاعتبارات الاقتصادية.

خلاصة المشهد

ما يُقدَّم اليوم كاتفاق أو تفاهم لا يبدو نهاية لحرب، بل بداية مرحلة جديدة من إدارتها. أما “الستون يومًا” فهي ليست إلا اختبارًا لمدى قابلية الإقليم لالتقاط أنفاسه دون أن يفقد توازنه الهش.

وفي هذا السياق، لا يبدو الشرق الأوسط متجهًا إلى حسم قريب، بل إلى مرحلة طويلة من إعادة التشكيل، حيث لا يُكتب الانتصار النهائي، بل تُدار الخسائر وتُعاد هندسة النفوذ.!!

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية

اقرأ أيضاًأبرز مكاتب المحاماة المرخصة في قطر والإمارات لخدمات المصريين والشركات بين الاستثمار والتقاضي

مجلس النواب يحدد موعد مناقشة 5 طلبات عامة خلال جلسة الاثنين المقبل

«معلومات الوزراء» يستكتب إيلينا بانوفا المنسق المقيم للأمم المتحدة في مصر

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts