هل تكفي الشعارات لصناعة دولة؟ وهل تستطيع دولة بحجم مصر أن تعبر واحدة من أخطر الفترات في تاريخها الحديث دون قيادة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة في أوقات أكثر صعوبة؟ وهل يقاس حجم الرئيس بالكلمات أم بحجم التحديات التي واجهها والنتائج التي حققها؟.
حين يطرح سؤال: هل الرئيس بحجم مصر؟ فإن الإجابة لا تبنى على الانطباعات أو المواقف السياسية، بل على قراءة الوقائع والأحداث التي شهدتها الدولة المصرية منذ 30 يونيو 2013 وحتى اليوم. في ذلك الوقت كانت المنطقة العربية تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا. دول انهارت، وجيوش تفككت، ومؤسسات سقطت، وحدود تغيرت، وجماعات إرهابية تمددت مستغلة الفوضى والصراعات. وكانت مصر تواجه تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة تهدد بقاء الدولة نفسها.
كان الملف الأول والأكثر خطورة هو الإرهاب. فقد تحولت سيناء إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع تنظيمات مسلحة تمتلك التمويل والسلاح والدعم الخارجي. وخاضت الدولة المصرية معركة طويلة ومكلفة لاستعادة الأمن والاستقرار. ومع مرور السنوات تراجعت العمليات الإرهابية بشكل كبير، واستعادت الدولة السيطرة الكاملة على أراضيها، لتنتقل سيناء من ساحة حرب إلى ساحة تنمية ومشروعات واستثمارات.
وعلى الحدود الغربية، كانت الأزمة الليبية تمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري. ومع تصاعد الصراع هناك، جاء إعلان «سرت – الجفرة» ليضع خطا أحمر واضحا منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع وحافظ على توازن القوى داخل ليبيا. وهو موقف اعتبره كثير من المراقبين نقطة تحول مهمة في مسار الأزمة الليبية.
وعندما تعرض المصريون في ليبيا لجريمة إرهابية بشعة تمثلت في ذبح عدد من أبناء الوطن على يد تنظيم داعش، جاء الرد المصري سريعا وحاسما باستهداف معاقل التنظيم الإرهابي، في رسالة أكدت أن الدولة المصرية قادرة على حماية مواطنيها وأن دماء المصريين ليست مستباحة.
وفي القضية الفلسطينية، حافظت مصر على موقف ثابت يقوم على دعم الحقوق الفلسطينية ورفض تصفية القضية أو تهجير الفلسطينيين من أراضيهم. وخلال الأزمات المتلاحقة في قطاع غزة لعبت القاهرة دور الوسيط الرئيسي لوقف إطلاق النار واحتواء التصعيد ومنع اتساع دائرة الصراع، في وقت كانت فيه المنطقة على حافة الانفجار.
أما في ملف السد الإثيوبي، فقد خاضت مصر واحدة من أعقد المعارك الدبلوماسية والسياسية دفاعا عن حقها التاريخي في مياه النيل، مؤكدة في كل المحافل الدولية أن أمنها المائي قضية وجود لا يمكن التفريط فيها.
وفي منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تحركت مصر وفق رؤية تعتبر أن أمن البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي. كما تابعت القاهرة باهتمام بالغ التطورات المرتبطة بالقرن الإفريقي، ودعمت وحدة واستقرار الصومال ورفض أي ترتيبات قد تهدد توازنات المنطقة أو مصالح شعوبها.
وعلى مستوى العلاقات العربية، نجحت مصر في بناء شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية مع دول الخليج العربي، قائمة على المصالح المشتركة والتنسيق السياسي والأمني والاقتصادي. كما لعبت دورا فاعلاً في دعم استقرار السودان والسعي للحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومنع انتقال تداعيات الصراع إلى المنطقة بأكملها.
وفي الوقت نفسه، انتهجت القاهرة سياسة خارجية متوازنة عززت من خلالها علاقاتها مع القوى الدولية المختلفة شرقاً وغرباً، فوسعت شراكاتها مع أوروبا وآسيا وإفريقيا والعالم العربي، بما أعاد لمصر مكانتها كدولة محورية يصعب تجاوزها في ملفات المنطقة.
لكن الحديث عن حجم القيادة لا يتوقف عند السياسة الخارجية فقط. فخلال هذه السنوات شهدت مصر مشروعات قومية كبرى في البنية التحتية والطاقة والطرق والموانئ والمدن الجديدة، استهدفت بناء قاعدة قوية للدولة المصرية وقدرتها على مواجهة تحديات المستقبل.
وبطبيعة الحال، لا يعني ذلك غياب التحديات أو انتهاء المشكلات. فما زالت هناك ملفات اقتصادية ضاغطة وتحديات معيشية يشعر بها المواطن بشكل يومي، وما زالت هناك رؤى مختلفة حول بعض السياسات والقرارات. لكن تقييم القيادات التاريخية لا يتم فقط من خلال التحديات القائمة، بل من خلال قدرتها على منع انهيار الدولة وتحقيق الاستقرار وسط بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
ويبقى السؤال مطروحا أمام الجميع: عندما ننظر إلى خريطة المنطقة منذ عام 2013 وحتى اليوم، ونقارن بين دول سقطت في الفوضى وأخرى أنهكتها الحروب وأزمات ما زالت مشتعلة حولنا من كل اتجاه، هل نجحت مصر في عبور أخطر مرحلة في تاريخها المعاصر؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فمن الذي قاد السفينة وسط هذا البحر المتلاطم؟.
قد يختلف البعض حول السياسات أو الأولويات أو النتائج الاقتصادية، وهذا حق طبيعي في أي دولة، لكن تبقى هناك حقيقة يصعب تجاهلها، أن مصر خلال السنوات الماضية واجهت الإرهاب والفوضى والحروب المشتعلة على حدودها وأزمات إقليمية غير مسبوقة، ومع ذلك ظلت الدولة قائمة ومتماسكة ومؤثرة في محيطها. وهنا يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لو لم تكن القيادة على قدر هذه التحديات، هل كانت مصر ستظل اليوم دولة تقود الأحداث أم دولة تتلقى نتائجها؟.
اقرأ أيضاًمصطفى بكري يكشف مفاجأة: الإخوان كانت تخطط لنقل السلطة إلى خيرت الشاطر
مصطفى بكري لـ «إكسترا نيوز»: مهدي عاكف طلب ضم 3500 فرد لـ «أخونة القضاء»









