مقالات

عندما ثأر مارادونا لهزيمة فوكلاند – الأسبوع

ليست كل مباريات كرة القدم مجرد تسعين دقيقة تنتهي بصافرة الحكم، فهناك مباريات تحمل فوق أرض الملعب ذاكرة شعوب كاملة، وتختزن داخلها صراعات سياسية وجراحًا تاريخية وأحلامًا وطنية.

ومن بين كل مواجهات كرة القدم في القرن العشرين، تبقى مباراة الأرجنتين وإنجلترا في كأس العالم 1986 واحدة من أكثر المباريات التي تجاوزت حدود الرياضة، لأنها جاءت بعد أربع سنوات فقط من حرب دامية بين البلدين حول جزر فوكلاند، أو جزر مالفيناس كما تسميها الأرجنتين.

بدأت قصة فوكلاند قبل وقت طويل من صافرة بداية مباراة الأرجنتين وإنجلترا في استاد أزتيكا بمدينة مكسيكو سيتي، فهذه الجزر الصغيرة الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي، والتي تبعد نحو 480 كيلومترًا فقط عن السواحل الأرجنتينية، بينما تفصلها عن بريطانيا مسافة تزيد على 12 ألف كيلومتر، أصبحت منذ القرن الثامن عشر محل نزاع بين القوى الأوروبية، ثم بين بريطانيا والأرجنتين.

في عام 1765 أقامت بريطانيا أول وجود لها في الجزر، ثم شهدت المنطقة صراعًا بين بريطانيا وإسبانيا حول النفوذ عليها.

وبعد استقلال الأرجنتين عن إسبانيا عام 1816، أعلنت الحكومة الأرجنتينية حقها في وراثة السيادة الإسبانية على الجزر، وأقامت وجودًا إداريًا فيها.

لكن في 3 يناير 1833 أرسلت بريطانيا قوة بحرية إلى جزر فوكلاند، وأجبرت السلطات الأرجنتينية الموجودة هناك على الرحيل، ثم فرضت إدارتها على الجزر، وهو الحدث الذي اعتبرته الأرجنتين، منذ ذلك التاريخ، احتلالًا لأرض تابعة لها، بينما ترى بريطانيا أن سيادتها على الجزر تستند إلى الإدارة المستمرة منذ القرن التاسع عشر، وإلى رغبة سكانها في البقاء تحت الحكم البريطاني.

وظل النزاع السياسي حول جزر فوكلاند قائمًا لعقود، حتى بلغ ذروته عام 1982، حين كانت الأرجنتين تخضع لحكم عسكري بقيادة الجنرال ليوبولدو جالتييري، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وتصاعد الغضب الشعبي ضد النظام.

وفي محاولة لصرف الأنظار عن أزماته الداخلية واستعادة شعبيته المتراجعة، قرر النظام العسكري استعادة السيطرة على الجزر بالقوة، فأرسلت القوات المسلحة الأرجنتينية وحداتها إليها في 2 أبريل 1982، وتمكنت من فرض سيطرتها عليها.

جاء الرد البريطاني سريعًا، إذ قررت رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر استعادة الجزر بالقوة، وأرسلت في 5 أبريل 1982، قوة بحرية ضخمة قطعت آلاف الكيلومترات عبر المحيط الأطلسي. واندلعت حرب استمرت 74 يومًا، شهدت معارك بحرية وجوية وبرية عنيفة.

وكان من أبرز أحداث الحرب إغراق المدمرة البريطانية HMS Sheffield في 4 مايو 1982 بصاروخ أرجنتيني من طراز «إكزوسيت»، ثم بدأت القوات البريطانية عمليات الإنزال في خليج سان كارلوس في 21 مايو 1982، وتقدمت نحو العاصمة ستانلي، حتى أعلنت القوات الأرجنتينية استسلامها في 14 يونيو 1982.

خلّفت الحرب مقتل 649 جنديًا أرجنتينيًا، و255 جنديًا بريطانيًا، وثلاثة مدنيين من سكان الجزر. وكانت الهزيمة صدمة عميقة للشعب الأرجنتيني، وساهمت في سقوط الحكم العسكري وعودة البلاد إلى الديمقراطية عام 1983.

لكن آثار الحرب لم تختفِ من الذاكرة الشعبية، وبعد أربع سنوات فقط انتقلت المواجهة بين البلدين من ساحات القتال إلى ملاعب كرة القدم.

في 22 يونيو 1986، وعلى استاد أزتيكا، وأمام أكثر من مائة ألف متفرج، التقت الأرجنتين وإنجلترا في الدور ربع النهائي لكأس العالم في المكسيك.

ولم تكن المباراة، بالنسبة لكثير من الأرجنتينيين، مجرد مباراة للوصول إلى نصف النهائي، بل كانت تحمل رمزية خاصة، إذ رأى الجمهور في الفوز على إنجلترا تعويضًا معنويًا عن الهزيمة العسكرية في حرب فوكلاند.

دخل المنتخب الأرجنتيني المباراة وهو يملك دييغو أرماندو مارادونا، أحد أعظم اللاعبين في تاريخ كرة القدم.

في الدقيقة 51 حدثت واحدة من أكثر اللقطات إثارة للجدل في تاريخ كأس العالم، ارتفعت الكرة داخل منطقة الجزاء الإنجليزية، وخرج الحارس بيتر شيلتون لملاقاة مارادونا، فقفز اللاعب الأرجنتيني ووضع الكرة بيده في مرمى المنتخب الإنجليزي.

احتسب الحكم التونسي علي بن ناصر الهدف، وسط احتجاجات لاعبي إنجلترا، بينما احتفل مارادونا وزملاؤه.

وبعد المباراة قال مارادونا عبارته الشهيرة إن الهدف جاء «قليلًا برأس مارادونا، وقليلًا بيد الله»، فأصبح الهدف معروفًا باسم «يد الله».

لكن مارادونا لم يكتفِ بذلك، فبعد أربع دقائق فقط، وفي الدقيقة 55، صنع لحظة أخرى أصبحت من أعظم لحظات كرة القدم في التاريخ.

تسلّم مارادونا الكرة في منتصف ملعب الأرجنتين، وانطلق بها نحو مرمى إنجلترا، وراوغ أكثر من لاعب إنجليزي، ثم واجه الحارس بيتر شيلتون، فتخطاه ووضع الكرة داخل الشباك.

لم يكن الهدف مجرد مهارة فردية، بل كان مشهدًا اختصر عبقرية لاعب استثنائي، فقد قطع مارادونا أكثر من نصف الملعب بالكرة، وتجاوز خمسة لاعبين إنجليز قبل أن يضع الكرة في الشباك، في لقطة أذهلت العالم بأسره.

وبعد سنوات، اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم هذا الهدف «هدف القرن» في تاريخ كأس العالم.

كان الفارق بين الهدفين مذهلًا، الأول جاء وسط حالة من الجدل التحكيمي، والثاني جاء وسط إعجاب عالمي لا خلاف عليه. الأول منح الأرجنتين التقدم، والثاني منح مارادونا الخلود.

انتهت المباراة بفوز الأرجنتين بهدفين مقابل هدف، لكنها لم تنتهِ في وجدان الأرجنتينيين عند صافرة الحكم.

في شوارع بوينس آيرس، خرجت الجماهير بالملايين، وتحولت الساحات إلى مشهدٍ هائل من الأعلام الأرجنتينية والهتافات.

لم يكن ذلك الاحتفال مجرد فرحة بانتصار كروي، بل كان تعبيرًا عن شعورٍ جماعي باستعادة الكبرياء بعد جرحٍ وطني عميق.

وفي قلب هذا المشهد، تجاوز مارادونا حدود كونه لاعب كرة قدم فذ، فأصبح رمزًا لشعبٍ وجد في موهبته لحظة فخر وانتصار معنوي.

وعندما رفع كأس العالم في 29 يونيو 1986، لم يكن يحتفل ببطولة فقط، بل كان يحمل معه أحلام أمةٍ بأكملها.

ولعل مارادونا نفسه كان أكثر من عبّر عن هذا المعنى عندما سُئل بعد سنوات عن مواجهة إنجلترا، فقال إنها كانت بالنسبة للأرجنتينيين أكثر من مجرد مباراة كرة قدم، وإنهم شعروا، ولو على المستوى الرياضي، أنهم ثأروا لبعض ما حدث في حرب فوكلاند، مع تأكيده أن الجنود الذين سقطوا في الحرب لا يمكن أن تعوضهم مباراة أو هدف.

لم تمحُ مباراة أزتيكا آثار حرب فوكلاند، لكنها أعادت إلى الأرجنتينيين شيئًا من كبريائهم الوطني.

وبينما بقيت الحرب فصلًا مؤلمًا في التاريخ، ظل هدفا مارادونا يرويان كيف تستطيع كرة القدم، في لحظات استثنائية، أن تمنح الشعوب انتصارًا معنويًا تعجز السياسة عن تحقيقه.

اقرأ أيضاًتأهب أمني غير مسبوق قبل مباراة الأرجنتين وإنجلترا في كأس العالم 2026

دفاعًا عن شعب الأرجنتين العظيم.. مارادونا: في قلبي.. أنا فلسطيني

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts