مقالات

الصوت الخالد…! – الأسبوع


سناء السعيد

سناء السعيد

في عالم التلاوة القرآنية، ثمة أصوات تُسمع فتمر مرور الكرام، وأصوات تُسمع فتُظل قائمة في الروح إلى الأبد، على غرار صوت الشيخ “محمد صديق المنشاوي”، الذي لم يكن مجرد قارئ موهوب، بل كان ظاهرة روحية فريدة لا تزال تُلامس أعماق المستمعين بعد أكثر من نصف قرن على رحيله.

وُلد المنشاوي عام 1920م، في بلدة المنشاة بمحافظة سوهاج جنوبي مصر، لأسرة قرآنية توارثت التلاوة، كان أبوه “صديق” من أبرز قراء الصعيد، أما جده فكان رجلاً قرآنيًّا منذ البداية، وقد بدأ الشيخ “المنشاوى” حفظ القرآن في سن مبكرة، ليُكمله في الثامنة من عمره، قبل أن تتسع شهرته خارج مصر فيزور العديد من الدول الإسلامية، متميزًا بتعدد مقامات القراءة، وتأثره بالشيخ “محمد رفعت”.

غير أن قصة “المنشاوي” مع التسجيل تعكس معدنًا نادرًا من الزهد، والاعتزاز بكلام الله، فلقد رفض الاشتراك في إحياء الليالي خارج حدود مديريتي قنا، وجرجا، ورفض أن يُسجَّل له في الإذاعة أي تسجيل بالرغم من العروض المغرية، وقد حدث ذلك بعد أربعين عامًا من احترافه تلاوة القرآن الكريم. وتروي بعض الروايات أن تسجيله الكامل للقرآن المرتل جاء في ظروف استثنائية، إذ يُروى أن “عبد الناصر” كان يحب صوته، وطلبه ليقوم بالقراءة في مأتم والده بالإسكندرية، وفي الصباح دعاه لترتيل آيات من الذكر الحكيم، ويُقال إنه طلب بعدها من المسئولين بالإذاعة تسجيل القرآن الكريم كاملاً مرتلاً بصوت المنشاوي، وهو التسجيل الذي طاف العالم، وتداوله حتى الآن الصغار والكبار.

ولقد جرى اعتماد “المنشاوي” قارئًا في الإذاعة المصرية عام 1953، وسجّل ما يزيد على مائة وخمسين تسجيلاً مفعمًا بالمعاني والأحاسيس القرآنية الرائعة. وفي عام 2026، كشف النقاب عن خاتمة نادرة فرغ منها “المنشاوي” في منتصف الستينيات، وقامت لجنة استماع ضمت نخبة من كبار العلماء بإجازتها، لتعود إلى الأثير بعد ستة عقود.

أما ما يميّز المنشاوي عن سواه، فليس جمال الصوت وحده، بل تلك الروح الخاشعة التي تنضح من كل حرف. عُرف بـ”القارئ الباكي”، نظرًا لما يتمتع به صوته من خشوع وشجن يُثيران مشاعر المستمعين بشكل لافت. وقد استشعر ذلك كبار العلماء قبل عامة الناس، فحين طُلب من الشيخ محمد متولي الشعراوي إبداء رأيه في صوته، قال: “من أراد أن يستمع إلى خشوع القرآن فليستمع لصوت المنشاوي”. وأضاف “الشعراوي” في موضع آخر: “إن المنشاوى ورفاقه الأربعة يركبون مركبًا، يبحرون في بحار القرآن الزاخرة، ولن تتوقف هذه المركبة عن الإبحار حتى يرثها الله ومن عليها”.

وفي ذلك شهادة لا تحتاج إلى أى تعليق: حيث إن المنشاوي لم يمت حين رحل في العشرين من يونيو 1969 عن تسعة وأربعين عامًا، بل ازداد حضورًا جيلاً بعد جيل. ولا أدل على ذلك من أن صوته اليوم يسكن الهواتف والمساجد، ويُرافق الأطفال في تعلّم القرآن، ويُعين الباحثين على التدبّر. إنه الحسنة الباقية في رقبة الزمن، وكما قال فيه الشيخ عبد الحكيم عبد اللطيف: “المنشاوي حسنةٌ من حسنات الدهر”.

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts