هناك فارق كبير بين أن تستقبل دولة ملايين اللاجئين، وأن تمنحهم شعورًا بأنهم لم يفقدوا إنسانيتهم، ففي الوقت الذي أصبحت فيه مخيمات اللجوء والمعسكرات حول العالم عنوانًا للعزلة والكسرة وحسرة الغربة والانتظار الطويل، اختارت مصر ام الدنيا، بقيادة إنسانية واعية حكيمة مسارًا مختلفًا تماما، لم تبنِ أسوارًا تفصل الإنسان عن المجتمع، ولم تحصر اللاجئين في مخيمات مغلقة، بل فتحت أمامهم أبواب المدن والقرى، ليعيشوا بين الناس، يرسلون أبناءهم إلى المدارس، ويتلقون العلاج في المستشفيات، ويمارسون حياتهم اليومية باعتبارهم جزءًا من نسيج المجتمع.
وربما تكمن خصوصية التجربة المصرية في أنها لم تتعامل مع اللاجئ باعتباره رقمًا في سجلات المنظمات الدولية، بل باعتباره إنسانًا اضطرته الحروب والصراعات إلى البحث عن وطن بديل مؤقت يحفظ له كرامته حتى يعود إلى وطنه الأصلي.
عندما تصبح الإنسانية سياسة دولة
إدارة ملف اللجوء ليست مجرد إجراءات قانونية أو قرارات إدارية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدول على الموازنة بين التزاماتها الإنسانية ومصالحها الوطنية.
وفي هذا الاختبار، اختارت مصر أن تجعل الإنسان محور سياساتها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على أمنها القومي واستقرارها الداخلي، لتقدم نموذجًا فريدا يجمع بين الواقعية السياسية والبعد الإنساني، بعيدًا عن الخطابات الشعبوية أو توظيف معاناة اللاجئين لتحقيق مكاسب سياسية أو أغراض لها في ظل الأزمات.
أكثر من 10.5 مليون شخص.. .حياة كاملة لا مجرد أرقام
حين يُقال إن مصر تستضيف أكثر من 10.5 مليون أجنبي ومهاجر ولاجئ، فإن الحديث لا يدور عن أرقام جامدة، بل عن ملايين القصص الإنسانية، أطفال يذهبون إلى المدارس، وأمهات يبحثن عن الأمن الأمان، وشباب يحاولون بناء مستقبل جديد بعد أن سلبتهم الحروب أوطانهم.
هؤلاء يعيشون داخل الأحياء المصرية، يستخدمون وسائل النقل نفسها، ويتلقون الخدمات الصحية والتعليمية نفسها، ويتشاركون تفاصيل الحياة اليومية مع المواطنين، في تجربة تختلف بصورة واضحة عن نماذج اللجوء القائمة على العزل داخل المخيمات.
الدمج.. فلسفة صنعت الفارق
لم يكن الدمج المجتمعي مجرد خيار إداري، بل كان رؤية تقوم على أن اندماج اللاجئ في المجتمع أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار من عزله خلف الأسوار.
فكلما شعر الإنسان بأنه جزء من المجتمع، تراجعت مشاعر الغربة، وتعززت فرص التعايش، وهو ما جعل التجربة المصرية تحظى باهتمام العديد من المتابعين والباحثين في قضايا الهجرة واللجوء.
كما أن هذا النهج لم يحافظ فقط على كرامة اللاجئين، بل ساهم أيضًا في بناء علاقات إنسانية واجتماعية بين الجاليات المختلفة والمجتمع المصري، الذي عرف تاريخيًا باستقباله لمن اضطروا إلى ترك أوطانهم.
القانون يعزز ما بدأته الإنسانية
ومع تطور حجم التحديات، جاء القانون رقم 164 لسنة 2024 ليضع إطارًا تشريعيًا متكاملًا ينظم أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء داخل مصر، ويؤسس لإدارة أكثر تنظيمًا لهذا الملف.
ويمثل القانون خطوة مهمة نحو تعزيز الإدارة المؤسسية، من خلال تحقيق التوازن بين الالتزامات الدولية، وضمان حقوق اللاجئين، والحفاظ على الأمن القومي، بما يعكس تطورًا في التعامل مع واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا.
مسؤولية لا ينبغي أن تتحملها دولة بمفردها
ورغم ما تبذله مصر من جهود، فإن استضافة ملايين اللاجئين تفرض ضغوطًا كبيرة على قطاعات التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية، في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات عالمية متزايدة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى دور أكبر من المجتمع الدولي، ليس فقط عبر الدعم المالي، وإنما أيضًا من خلال تقاسم المسؤولية بصورة أكثر عدالة، باعتبار أن قضايا اللجوء أصبحت تحديًا عالميًا يتجاوز حدود الدول.
لماذا يلفت النموذج المصري انتباه العالم؟
لأن التجربة المصرية قدمت مفهومًا مختلفًا لإدارة اللجوء، مفهومًا لا يقوم على الأسلاك الشائكة، بل على الاندماج، ولا ينظر إلى اللاجئ باعتباره عبئًا مؤقتًا، بل إنسانًا يستحق أن يعيش بكرامة إلى أن تسمح الظروف بعودته إلى وطنه.
وفي عالم تتزايد فيه النزاعات، تبدو هذه التجربة تذكيرًا بأن السياسات الأكثر نجاحًا ليست دائمًا الأكثر صرامة، وإنما تلك التي تنجح في الجمع بين قوة الدولة ورحمة الإنسان.
في النهاية، قد تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من اقتصاد أو نفوذ أو إمكانات، لكن التاريخ كثيرًا ما يتذكرها أيضًا بالطريقة التي تعاملت بها مع الإنسان في أصعب لحظاته.
وفي ملف اللجوء، تقدم مصر تجربة استثنائية عظيمة تستند إلى فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن من فقد وطنه لا ينبغي أن يفقد كرامته أيضًا.
وبين ضرورات الأمن، وضغوط الاقتصاد، وتعقيدات السياسة، يبقى الإنسان هو القيمة التي منحت هذا النموذج خصوصيته، وجعلته محل اهتمام متزايد في النقاشات الدولية حول مستقبل إدارة أزمات اللجوء.
اقرأ أيضاًبين الرحيل والشماتة.. القلوب تكشف الحقيقة بعد الموت
حين تتحول قوانين الأسرة إلى مرمى العنف الرقمي.. مَنِ المستفيد؟
«من صفحة بيضاء إلى أسطورة خالدة» قصتك أمانة.. إما أن تكون أو لا تكون









