مقالات

بعد فشل التهجير شرقاً.. هل بدأت محاولات الضغط على مصر من الجنوب؟ – الأسبوع


هل أصبحت مصر العقبة الأخيرة أمام مشروعات إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟ ولماذا تتقاطع عند حدودها معظم أزمات المنطقة؟ وهل ما نشهده مجرد أحداث متفرقة، أم أن هناك صراعًا أكبر يدور حول مستقبل الشرق الأوسط وموقع مصر فيه؟.

من يتابع المشهد الإقليمي خلال السنوات الأخيرة يدرك أن المنطقة تعيش واحدة من أخطر مراحل إعادة تشكيل موازين القوى منذ عقود، حروب وصراعات وأزمات ممتدة من غزة إلى السودان، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، وسط محاولات متكررة لفرض واقع جديد يخدم مصالح أطراف إقليمية ودولية متعددة.

وفي قلب هذه التحديات تقف مصر باعتبارها الدولة الأكبر تأثيراً في معادلة الاستقرار الإقليمي، فمنذ اندلاع الحرب في غزة تمسكت القاهرة بموقف واضح يرفض التهجير القسري للفلسطينيين أو تصفية القضية الفلسطينية تحت أي مسمى، معتبرة أن أمن سيناء والأمن القومي المصري خط أحمر.

لا يمكن تجاوزه. هذا الموقف وضع مصر في مواجهة مباشرة مع العديد من التصورات والمشروعات التي كانت تستهدف فرض حلول على حساب الحقوق الفلسطينية أو على حساب استقرار المنطقة بأكملها.

وبعد تعثر محاولات فرض واقع جديد على الحدود الشرقية، برزت مخاوف وتحليلات سياسية تتحدث عن انتقال الضغوط إلى اتجاهات أخرى أكثر تعقيداً، خاصة على الجبهة الجنوبية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي جعل الأنظار تتجه إلى الجنوب الآن؟

فعلى مدار عقود ظلت الحدود المصرية السودانية تشهد تحديات معروفة تتعلق بالهجرة غير الشرعية والتهريب والتنقيب غير القانوني عن الذهب، وكانت الأجهزة المصرية تتعامل معها باعتبارها تحديات أمنية تقليدية.

إلا أن المشهد تغير بصورة كبيرة بعد اندلاع الحرب السودانية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. فمع اتساع رقعة الصراع وتراجع سيطرة الدولة في بعض المناطق، لم تعد القضية مجرد عمليات تهريب أو تحركات فردية، بل أصبحت مرتبطة بوجود تشكيلات مسلحة تمتلك قدرات قتالية وتحركات واسعة بالقرب من محيط الحدود المصرية.

ومن هنا بدأت المخاوف من أن تؤدي حالة السيولة الأمنية في السودان إلى خلق واقع جديد على حدود مصر الجنوبية، سواء عبر موجات نزوح ضخمة، أو شبكات تهريب السلاح، أو محاولات استغلال الفراغ الأمني من قبل أطراف تسعى لتحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية في المنطقة، وتزداد هذه المخاوف مع اقتراب بعض مناطق الصراع من المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا، وهو ما يرفع من احتمالات استغلال الفراغات الأمنية في عمليات تهريب السلاح أو انتقال العناصر المسلحة أو خلق بؤر توتر جديدة على مقربة من الحدود المصرية.

لهذا لم تعد القضية مرتبطة بالذهب وحده أو بالحدود التقليدية، وإنما بتحولات إقليمية أوسع تجعل استقرار السودان جزءاً أساسياً من معادلة الأمن القومي المصري.

وفي هذا السياق، تتجه أصابع الاتهام في بعض الأوساط السياسية والإعلامية إلى وجود مصالح متقاطعة بين أطراف إقليمية ودولية تستفيد من استمرار حالة عدم الاستقرار في السودان ومن حالة السيولة الأمنية في محيط مصر الاستراتيجي، فيما يربط بعض المراقبين بين التحركات الإسرائيلية في المنطقة وبين محاولات استغلال حالة الصراع السوداني للضغط على الأمن القومي المصري من الجنوب، وهي فرضيات لا تزال محل جدل ونقاش سياسي واسع. ورغم الجدل المحيط بهذه التحليلات، فإن الثابت هو أن مصر تعاملت مع المشهد بمنتهى الحذر واليقظة، وعززت من قدرتها على حماية حدودها ومصالحها الاستراتيجية.

ورغم تعدد الأزمات والضغوط، أثبتت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية قدرتها على التعامل مع ملفات شديدة التعقيد في توقيت واحد، من مكافحة الإرهاب، إلى حماية الحدود، إلى إدارة الأزمات الإقليمية، مع الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة واستقرارها.

ولا تكتمل قراءة المشهد الأمني المصري دون التوقف أمام الاتجاه الاستراتيجي الغربي، الذي لا يقل أهمية عن الجبهتين الشرقية والجنوبية في حسابات الأمن القومي المصري، فالأزمة الليبية المستمرة منذ سنوات، ووجود جماعات مسلحة وتدخلات إقليمية ودولية متشابكة، جعلا الحدود الغربية واحدة من أكثر الجبهات حساسية في المنطقة.

ورغم الجهود التي بذلت للحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومنع تحولها إلى مصدر تهديد مباشر لجيرانها، فإن كثيراً من المراقبين يرون أن الصراع على النفوذ في ليبيا لم ينتهِ بعد، وأن محاولات فرض وقائع جديدة على الأرض ما زالت قائمة. ومن هنا تبرز أهمية الرؤية المصرية التي تعاملت مع الاتجاه الغربي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي، وهو ما ساهم في منع انتقال الفوضى إلى الداخل المصري والحفاظ على استقرار الحدود الغربية طوال السنوات الماضية.

لقد أثبتت التجارب أن قوة مصر لا تكمن فقط في جيشها وقدراتها الأمنية، بل في امتلاكها مؤسسات وطنية قوية، وقيادة تدرك طبيعة التحديات، وشعب يدرك أن الحفاظ على الدولة ليس خياراً بل ضرورة وجودية.

وفى النهاية: ربما تختلف التحليلات حول طبيعة ما يجري في المنطقة، لكن المؤكد أن مصر ستظل رقماً صعباً في أي معادلة تخص الشرق الأوسط، فالدول الكبرى تختبر في أوقات الأزمات، ومصر أثبتت مراراً أن عبور العواصف ليس مجرد قدرة مؤقتة، بل جزء من تاريخها وهويتها.

ويبقى السؤال الأهم: إذا كانت المنطقة تعاد صياغتها من جديد، وإذا كانت الضغوط تتنقل بين الشرق والجنوب والغرب، فهل تستهدف هذه التحركات حدود مصر فقط، أم أنها تستهدف الدور المصري نفسه؟

والإجابة قد تختلف من محلل إلى آخر، لكن المؤكد أن مصر ستظل حجر الزاوية في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأن أي محاولة لإعادة رسم خرائط المنطقة ستظل تصطدم بحقيقة ثابتة: أن الدولة المصرية كانت دائماً أقوى من التحديات التي واجهتها.

اقرأ أيضاًالشخصية المصرية عبر التاريخ.. هوية تتجدد وجذور لا تنقطع

هدم الأوطان.. حين تتحول الحرب إلى معركة على الوعي والهوية

Leave A Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts